كانت المدينة لا تزال تحمل آثار أيامٍ مؤلمة. استُشهد أصحاب النبي ﷺ عند بئر معونة، وعاد عمرو بن أمية الضمري رضي الله عنه وحده تقريبًا يحمل خبر المصاب. وفي طريق عودته قتل رجلين ظنّ أنهما من أعداء المسلمين، ثم تبيّن أنهما كانا في عهدٍ وأمانٍ من رسول الله ﷺ.
لم يتجاهل النبي ﷺ حقهما بسبب الخطأ، ولم يقل إن القاتل لم يكن يعلم بعهدهم؛ بل عزم على أداء ديتهما. فالعهود لا تسقط عند اشتداد الأحزان، والعدل لا يُؤجَّل لأن الأمة تمر بوقت عصيب.
ومن هنا بدأت أحداث هذه الليلة.
زيارة انتهت بإنذار
كان في المدينة وحولها جماعاتٌ ارتبطت مع المسلمين بعهود، ومنهم بنو النضير. وتذكر كتب السيرة أن النبي ﷺ خرج إلى ديارهم يطلب مشاركتهم في دية الرجلين، بحسب ما كان بينهم من عهد. أظهروا له في البداية استعدادًا للمساعدة، ثم خلا بعضهم إلى بعض ودبّروا أن يلقوا عليه حجرًا من أعلى البيت الذي جلس عنده.
هذه التفاصيل وردت في كتب السيرة، وليست كلها مذكورة بتفصيلها في الحديث الصحيح. أما أصل نقض بني النضير للعهد، وما أعقبه من حصارهم وإجلائهم، فقد ثبت في الأحاديث الصحيحة وفي سورة الحشر. وقد روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن بني النضير حاربوا رسول الله ﷺ، فأجلاهم عن المدينة.
تخبرنا السيرة أن الوحي أعلم النبي ﷺ بما أُعد له، فنهض من مكانه وعاد إلى المدينة. لم يدخل في جدال طويل، ولم ينتظر حتى يُنفَّذ الغدر، ولم يمنحه علمه بالخطر شعورًا زائفًا بالأمان؛ فقد كان التوكل عنده ﷺ مصحوبًا بالأخذ بالأسباب.
وصل أصحابه إلى المدينة ولم يجدوه بينهم، ثم علموا أنه عاد إليها. وما كان الأمر خلافًا عابرًا يمكن أن ينتهي بكلمة اعتذار، بل محاولة غدرٍ جاءت بعد عهد. أرسل إليهم النبي ﷺ يأمرهم بالخروج من المدينة، وفق ما تذكره كتب السيرة.
وعودٌ خلف الحصون
تهيأ بنو النضير للخروج أول الأمر، ثم جاءتهم وعودٌ من المنافقين: اثبتوا في حصونكم، فإن قاتلكم المسلمون نصرناكم، وإن أُخرجتم خرجنا معكم. بدت الوعود لمن يسمعها قوية؛ رجالٌ سيقفون معهم، وأنصارٌ لن يتركوهم، وحصونٌ يظنون أنها لا تُنال.
لكن القرآن كشف حقيقة تلك الوعود قبل أن تنفع أصحابها، فقال الله تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ﴾ [الحشر: 11–12].
اطمأن بنو النضير إلى الحصون والوعود، ورفضوا الخروج. فتحرك النبي ﷺ إليهم وحاصرهم. ولا تنقل لنا المصادر الصحيحة معركة واسعة دارت عند الحصون، بل كان الحصار والضغط، ثم وقع في قلوبهم ما لم تستطع الجدران دفعه.
ما لم تستطع الجدران دفعه
قال الله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: 2].
كانوا يرون الحصون، ولا يرون الخوف الذي يمكن أن يدخل من وراء أسوارها. ويشاهدون الجدران الصلبة، لكنهم لا يملكون أن يجعلوا قلوبهم مثلها. وحين حان الخروج، ذكر القرآن أنهم كانوا يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين. وتذكر كتب السيرة أنهم أخذوا ما استطاعوا حمله من أمتعتهم، ونزع بعضهم ما أراد حمله من أخشاب البيوت، ثم رحلوا عن المدينة.
النخل الذي قُطع والذي تُرك
وخلال الحصار قُطع شيءٌ من نخل بني النضير، وتُرك شيء آخر قائمًا. وقد ثبت ذلك في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وأن الله أنزل:
﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: 5].
كانت تلك واقعة محددة في حصارٍ محدد، أذن الله فيها بما يحقق مقصود الحصار؛ فلم يكن الأمر إفسادًا مطلقًا للزرع، كما أنه لم يكن قرارًا بشريًا منفصلًا عن حكم الله. قطع المسلمون بعض النخل وتركوا بعضه، فجاء القرآن يبين أن ما وقع كان بإذن الله.
وانتهى الحصار بخروج بني النضير، ولم تصلهم النجدة التي وعدهم بها المنافقون. انكشفت الكلمات حين جاء وقت العمل، وسقط الوعد الذي قيل في الخفاء عند أول امتحان. وحقن النبي ﷺ الدماء بقبول خروجهم، فلم يجعل النصر بابًا للانتقام، ولم يحوّل القدرة عليهم إلى قتلٍ لا تدعو إليه ضرورة.
مالٌ لم تجرِ إليه الخيل
وبقيت أموال لم يندفع المسلمون إليها بقتال الخيل والإبل؛ فسماها القرآن فيئًا، فقال تعالى:
﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الحشر: 6].
وثبت في صحيح مسلم أن أموال بني النضير كانت مما أفاء الله على رسوله ﷺ دون قتالٍ بالخيل والركاب، فكان ينفق منها على أهله نفقة سنة، ثم يجعل ما بقي في إعداد الخيل والسلاح لمصلحة المسلمين. لم تتحول الأموال إلى ترفٍ شخصي، بل وُضعت في النفقة الواجبة والاستعداد الذي يحمي المدينة.
وهكذا انتهت أزمةٌ بدأت بطلب أداء دية رجلين. خرج النبي ﷺ يريد الوفاء بحق، فكُشف له غدر، ثم واجه نقض العهد بحزمٍ دون فوضى، وحاصر دون أن يجعل سفك الدماء غاية، وقَبِل الجلاء حين تحقق به دفع الخطر.
درس الليلة
في أحداث هذه الليلة معنى يستحق أن يبقى معنا قبل النوم: ليست كل قوة فيما تراه العين. قد يملك الإنسان بيتًا حصينًا، ويحيط نفسه بأسباب كثيرة، ثم يعلّق قلبه بها حتى يظن أنها تمنعه من كل سوء. لكن الأسباب لا تستقل بالحفظ، والوعود الجميلة لا تساوي شيئًا إذا صدرت ممن اعتاد الخداع.
وفي المقابل، ليس التوكل تركًا للحذر. فقد رجع النبي ﷺ حين أُعلم بالخطر، واتخذ القرار الذي يحفظ جماعة المسلمين، واستعد لما يمكن أن يقع. القلب يعتمد على الله، والجوارح تعمل بما أذن الله من الأسباب؛ وبين الأمرين يقوم التوكل الصحيح.
أغلقت المدينة هذه الصفحة، لكنها لم تدخل زمن الراحة الطويلة. كان موعدٌ قد ضُرب بعد أُحد يقترب، وذاكرة بدر ما تزال حاضرة في نفوس قريش والمسلمين. فهل تخرج قريش إلى الموعد الذي أعلنته؟ وهل يقف المسلمون مرة أخرى عند بدر بعد كل ما مر بهم؟
ذلك ما نقترب منه في الفصل القادم بإذن الله.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد ﷺ.