مَدارك — دليلك إلى طريق الإيمان
نَمْ على سيرة نبيّك الكريم ﷺ · الفصل السابع والثلاثون

حين حضر المسلمون وغابت قريش

قراءة هادئة موثّقة من السيرة النبوية

لم تكن بعض الكلمات التي قيلت عند نهاية أُحد كلماتٍ عابرة. فقد انسحبت قريش بعد يومٍ أصيب فيه المسلمون بجراحٍ عميقة، واستُشهد فيه حمزة رضي الله عنه وجماعة من خيرة الصحابة. وقبل أن يبتعد المشركون، نادى أبو سفيان متحديًا المسلمين بأن يكون اللقاء التالي عند بدر في العام المقبل.

لم يكن المسلمون يومها في حالٍ سهلة؛ أجسادٌ مجروحة، وبيوتٌ فقدت أحباءها، ومدينةٌ تنتظر عودة من خرجوا للدفاع عنها. ومع ذلك أمر النبي ﷺ أحد أصحابه أن يجيبه: نعم، بيننا وبينكم موعد.

ورد هذا الموعد وتفاصيله في سيرة ابن إسحاق برواية ابن هشام، وليس في حديثٍ صحيح مستقل يروي وقائع الغزوة كاملة. ومع ذلك فإن أصل قول النبي ﷺ: «حسبنا الله ونعم الوكيل» عند تخويف الناس له من اجتماع العدو ثابت في صحيح البخاري. أما ربط آيات آل عمران بهذه الرحلة تحديدًا، فقد اختلف فيه المفسرون؛ فقال بعضهم إنها متصلة بخروج حمراء الأسد، وقال آخرون إنها تتناول بدر الموعد. لذلك سنذكر المعنى الثابت دون أن نجزم بقولٍ مختلف فيه.

موعدٌ لم يُنسَ

مضت الشهور بعد أُحد، لكن الأحداث لم تهدأ.

خرج المسلمون إلى حمراء الأسد وهم لا يزالون يحملون جراحهم، ثم وقعت مأساة الرَّجيع، وغاب سبعون من القرّاء عند بئر معونة، وكُشفت محاولة بني النضير ونُقض عهدهم، فانتهى الأمر بخروجهم من المدينة.

كان كل حدثٍ من هذه الأحداث كافيًا لأن يُثقل جماعةً ناشئة، لكن النبي ﷺ لم ينسَ الموعد الذي وافق عليه عند أُحد. فالوفاء لا يكون فقط في أوقات الراحة، والثبات لا يعني أن الإنسان لا يتألم؛ بل أن يواصل أداء ما عليه رغم الألم.

وتضع كتب السيرة غزوةً تُسمى ذات الرقاع في هذه المرحلة، غير أن أهل العلم اختلفوا اختلافًا مشهورًا في تاريخها وترتيبها؛ فوضعها بعضهم قبل بدر الموعد، ورجح آخرون أنها كانت في زمنٍ متأخر. ولهذا لا نجزم هنا بترتيبها، ونمضي إلى الموعد المرتبط مباشرةً بما قيل بعد أُحد.

حين اقترب الوقت، خرج رسول الله ﷺ بالمسلمين نحو بدر. وتُسمّى هذه الرحلة في كتب السيرة بعدة أسماء: بدر الآخرة، وبدر الصغرى، وبدر الثانية، وبدر الموعد. ولم تكن بدر بالنسبة إليهم مكانًا مجهولًا؛ فعندها وقع يوم الفرقان، وعندها تغيّر ميزانٌ كبير بين مكة والمدينة.

لكنهم لم يخرجوا هذه المرة وهم يعلمون أن القتال سيقع حتمًا. خرجوا لأنهم وعدوا بالحضور، ولأن التراجع بسبب الخوف كان سيجعل قريشًا تظن أن أثر أُحد قد كسرهم.

محاولة زرع الخوف

تذكر روايات السيرة أن أبا سفيان لم يكن راغبًا في الخروج ذلك العام، مع أنه صاحب الدعوة إلى الموعد. وكان يعلم أن عدم خروج قريش مع خروج المسلمين سيضعف صورتها بين قبائل العرب؛ فحاول أن تصل إلى المدينة أخبارٌ تُخيف المسلمين من قوة الجيش الذي ينتظرهم.

ليس المقصود من التخويف دائمًا أن يقاتل العدو؛ فقد يريد أن ينتصر قبل أن يتحرك، بأن يجعل خصمه ينسحب من داخله. كلمةٌ مبالغ فيها عن الأعداد، وخبرٌ ينتقل بين الناس، وصورةٌ لجيشٍ لا يُغلب؛ قد تكون جميعها محاولةً لإيقاف الإنسان قبل أن يبدأ.

وهنا يجيء المعنى القرآني العظيم:

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ۝ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 173–174].

ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح البخاري أن إبراهيم عليه السلام قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» حين أُلقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين قيل له إن الناس قد جمعوا له. إنها ليست جملةً لإلغاء الأسباب أو إنكار الخطر؛ بل إعلانٌ بأن الخطر، مهما كبر، لا يخرج عن سلطان الله.

خرج المسلمون، ولم يمنعهم التخويف من الطريق.

ثماني ليالٍ عند بدر

وصل النبي ﷺ وأصحابه إلى بدر، وأقاموا فيها ينتظرون قريشًا.

وتذكر سيرة ابن هشام أنه ﷺ بقي هناك ثماني ليالٍ ينتظر أبا سفيان. لم يصل المسلمون ثم يعودوا سريعًا حين لم يجدوا أحدًا؛ بل مكثوا المدة التي تُظهر أنهم حضروا للموعد ولم يتهربوا منه.

في الجهة الأخرى خرج أبو سفيان في جماعة من أهل مكة، لكنه لم يكمل الطريق. وتذكر السيرة أنه بلغ ناحية الظهران، وقيل بلغ عسفان، ثم قرر الرجوع. وقال لقومه إن العام عام جدب، وإن الخروج للقتال يناسب عامًا خصيبًا تتوافر فيه أسباب الرعي واللبن، فعادت قريش إلى مكة.

لا نستطيع أن نعرف ما دار في كل نفسٍ من نفوس الخارجين، ولا نحتاج إلى اختراع حوارٍ بينهم. الثابت في رواية السيرة واضح: جاء المسلمون إلى بدر وانتظروا، وخرجت قريش جزءًا من الطريق ثم رجعت.

لم تقع في بدر معركة تلك المرة، ولم تتقابل الصفوف، ولم تُرفع السيوف. لكن عدم وقوع القتال لا يعني أن الرحلة كانت بلا نتيجة.

لقد أعلنت المدينة أنها لم تُهزم من داخلها بعد أُحد. كان في المسلمين من فقد قريبًا، ومن لا يزال يذكر الرماة والشهداء والجراح، ومع ذلك عادوا إلى المكان الذي دعتهم قريش إليه. أما قريش التي أطلقت التحدي، فقد عادت دون أن تبلغ الموعد.

والانتصار ليس دائمًا أن تهزم جيشًا في ساحة القتال. قد يكون أن تثبت حين يراهن خصمك على خوفك، وأن تفي حين يتوقع منك التراجع، وأن تصل إلى الموعد بينما يغيب عنه من دعا إليه.

حين يصير المكان شاهدًا

كانت بدر الأولى يومًا امتلأ بالمواجهة والدعاء والقتال، أما بدر الموعد فكان الصمت فيها مختلفًا. المسلمون حاضرون، وقريش غائبة، والأيام تمر دون ظهور الجيش الذي قيل إنه قادم.

ومع ذلك لم يكن انتظار النبي ﷺ وأصحابه عبثًا. فقد عرفت القبائل ومن حضر موسم بدر أن المسلمين وفوا بما أعلنوه، وأن أخبار اجتماع العدو لم تمنعهم. وعادوا إلى المدينة من غير أن يمسهم سوء.

لا يصح أن ننسب كل تفاصيل هذه الرحلة إلى الحديث الصحيح؛ فأعداد الجيش، وموضع رجوع قريش الدقيق، ومدة الإقامة، وما قيل عن سوق بدر، مصدرها الأساس كتب المغازي والسيرة. أما الآية وقول «حسبنا الله ونعم الوكيل» فثابتان، مع بقاء الخلاف التفسيري في تعيين الواقعة التي نزلت الآيات بشأنها.

وهذا التمييز لا يُضعف القصة، بل يحفظ أمانتها. فنحن نحب سيرة النبي ﷺ، ومن تمام محبتها ألا نجعل الروايات كلها في منزلة واحدة، وألا نضيف إلى أحداثها ما لم تنقله المصادر.

درس الليلة

في بدر الموعد صورةٌ هادئة للثبات.

لم يقع قتال، لكن الخوف هُزم. ولم تُفتح مدينة، لكن وعدًا تم الوفاء به. ولم يعد المسلمون بغنائم معركة، لكنهم عادوا وقد ظهر صدق موقفهم.

وقد يمر الإنسان في حياته بموعدٍ مع واجب يخشاه: كلمة حق، أو اعتذارٍ تأخر، أو دينٍ يجب أداؤه، أو عملٍ صالح تعوقه المخاوف. وقد يسمع أصواتًا تقول له إن الطريق أصعب منه، وإن الفشل ينتظره، وإن الانسحاب أكثر راحة.

لا تعلّمنا السيرة أن نندفع بلا حكمة، لكنها تعلمنا ألا نجعل الخوف وحده صاحب القرار. ندرس الأمر، ونأخذ بالأسباب، ثم نمضي فيما يرضي الله ونقول بقلوبٍ صادقة: حسبنا الله ونعم الوكيل.

عاد رسول الله ﷺ إلى المدينة، لكن الأنظار ستتجه بعد ذلك إلى طريقٍ أبعد شمالًا، حيث ترد أخبارٌ عن تجمعات تهدد أمن المدينة عند أطراف الجزيرة. وسيخرج النبي ﷺ في رحلة شاقة نحو دومة الجندل، فيتسع حضور الدولة المسلمة خارج محيطها القريب.

فلماذا اتجه ﷺ إلى ذلك المكان البعيد؟ وماذا وجد حين وصل إليه؟

ذلك ما نقرأه في الفصل القادم بإذن الله.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد ﷺ.