لم يمضِ وقت طويل على مأساة الرَّجيع حتى جاء المدينةَ خبرٌ آخر أشد وقعًا. كان الذين خرجوا هذه المرة أكثر عددًا؛ رجالًا عُرفوا بالقرآن والعبادة وخدمة المحتاجين. لم يغادروا المدينة طلبًا لمال أو قتال، بل خرجوا يحملون ما تعلموه من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ إلى قوم طلبوا من يعلّمهم.
كانوا سبعين رجلًا من الأنصار، يُسمَّون في زمانهم القُرّاء.
حين يمر بنا هذا الاسم اليوم قد نتخيل رجالًا لا عمل لهم إلا الجلوس للتلاوة، لكن الحديث الصحيح يرسم صورة أوسع: كانوا يتدارسون القرآن ليلًا، ويعملون نهارًا؛ يجلبون الماء إلى المسجد، ويجمعون الحطب ويبيعونه، ثم يشترون بثمنه طعامًا لأهل الصُّفّة والفقراء.
جمعوا بين العلم والعبادة والعمل وخدمة الناس. ولم يكن القرآن الذي يحملونه كلماتٍ تُقرأ فقط؛ كان حياةً تظهر في ليلهم ونهارهم.
سبعون رجلًا يحملون العلم
ثبت في صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن قومًا جاؤوا إلى النبي ﷺ وطلبوا أن يبعث معهم رجالًا يعلّمونهم القرآن والسنة، فبعث معهم سبعين رجلًا من الأنصار، يُقال لهم القرّاء، وكان من بينهم حرام بن ملحان رضي الله عنه، خال أنس.
أما رواية صحيح البخاري فتذكر أن قبائل رِعْل وذَكوان وعُصَيّة وبني لِحيان طلبوا من رسول الله ﷺ مددًا يعينهم، فأرسل إليهم سبعين من الأنصار. وتذكر رواية أخرى أنهم خرجوا في حاجةٍ للنبي ﷺ.
تتعدد ألفاظ الروايات في وصف الطلب، لكن المعنى الثابت واضح: أرسل النبي ﷺ سبعين من خيار أصحابه، وكانوا معروفين بالقرآن، ثم وقع بهم الغدر عند بئر معونة.
وتضيف كتب السيرة أن أبا براء عامر بن مالك قدم على النبي ﷺ، ورجا أن يبعث رجالًا يدعون أهل نجد، وأن النبي ﷺ أبدى خشيته عليهم، فتعهد أبو براء بحمايتهم. كما تسمي كتب السيرة قائد البعث: المنذر بن عمرو رضي الله عنه. هذه التفاصيل مشهورة في السيرة، أما عدد القرّاء وصفاتهم ومقتلهم عند البئر فثابت في الصحيحين.
حياةٌ خفية بين الليل والنهار
قبل أن نصل إلى لحظة الغدر، يحسن أن نتوقف عند حياتهم في المدينة.
كانوا يقرؤون القرآن ويتدارسونه ليلًا، فإذا جاء النهار لم تجعلهم العبادة عالةً على غيرهم. حملوا الماء، وجمعوا الحطب، وبذلوا ثمن عملهم لإطعام الفقراء وأهل الصفة. لم يبحثوا عن شهرة، ولم تحفظ لنا المصادر أسماء الرجال السبعين جميعًا؛ لكن الله حفظ عملهم، وحفظ النبي ﷺ منزلتهم، وروى الصحابة خبرهم للأمة.
في حياتهم معنى يحتاج إليه القلب: قد يكون العمل العظيم بعيدًا عن أعين الناس. إناء ماء يوضع في المسجد، وطعام يصل إلى فقير، وآيات يتدارسها أصحابها في سكون الليل؛ أعمال صغيرة في ظاهرها، لكنها تصنع رجالًا يحملون الرسالة حين يأتي يوم الامتحان.
ثم جاءهم أمر الخروج، فتركوا المدينة وأهلها، وساروا بما يحملونه من القرآن والعلم.
عند بئر معونة
بلغ القرّاء موضعًا يُقال له بئر معونة. وهناك اعترضتهم جماعات من رِعْل وذَكوان وعُصَيّة، فوقع الغدر.
وتخبرنا رواية صحيح البخاري أن القرّاء قالوا لمن اعترضهم: إنهم لم يأتوا لقتالهم، وإنما كانوا مارّين في حاجة لرسول الله ﷺ. ومع ذلك لم يُقبل منهم بيان، ولم يُحفظ لهم عهد؛ بل هجم القوم عليهم وقتلوهم.
لم تكن معركة بين جيشين خرج كل واحد منهما مستعدًا للآخر. كان سبعون من القرّاء قد خرجوا في مهمة، فقوبلوا بالخيانة والقتل.
وتذكر كتب السيرة تفاصيل عن وصول رسالة النبي ﷺ إلى عامر بن الطفيل، وعن استنفاره قبائل من بني سليم بعدما رفض بنو عامر نقض جوار أبي براء. غير أن هذه الجزئيات من روايات السيرة وليست كلها في درجة الأحاديث الصحيحة؛ لذلك يكفينا من الثابت أن أصحاب النبي ﷺ وصلوا إلى بئر معونة، فغدر بهم القوم وقتلوهم.
«فُزتُ وربِّ الكعبة»
كان حرام بن ملحان رضي الله عنه من أولئك القرّاء. وثبت في صحيح مسلم أن رجلًا طعنه من خلفه بحربة نفذت فيه، فقال حرام وهو يواجه الموت: «فُزتُ وربِّ الكعبة».
قد يبدو هذا القول غريبًا لمن يقيس الفوز بطول البقاء في الدنيا وحده. لقد طُعن حرام، وفارق أهله وإخوانه، ولم يعد إلى المدينة؛ فأين الفوز؟
كان الفوز في أن يلقى الله ثابتًا على طاعته، وقد خرج معلّمًا لكتابه وسنة نبيه ﷺ. لم يكن فرحه بالألم ولا بالغدر، وإنما بما يرجوه عند الله بعد أن أدى الأمانة حتى آخر لحظة.
ونقلت الرواية الصحيحة أن القرّاء دعوا الله أن يبلغ نبيه ﷺ خبرهم: أنهم لقوا ربهم وهو راضٍ عنهم وهم راضون عنه. فأخبر النبي ﷺ أصحابه بمقتل إخوانهم وبما قالوه.
وجاء في صحيح البخاري أن عبارةً بهذا المعنى نزلت تُقرأ، ثم نُسخت تلاوتها: أن يُبلَّغ قومهم بأنهم لقوا ربهم فرضي عنهم وأرضاهم. وهذا خبر ثابت في الحديث، لكنه ليس آيةً تُتلى اليوم في المصحف؛ ولذلك يجب ذكره كما وصفه الصحابي، من غير إدخاله في نص القرآن الموجود بين أيدينا.
حزنٌ لم يكن عابرًا
وصل خبر المقتلة إلى المدينة.
لم يكن الذين غابوا سبعين اسمًا مجهولًا عند رسول الله ﷺ؛ كانوا من أصحابه، يصلّون معه، ويحملون الماء إلى مسجده، ويخدمون فقراء المسلمين، ثم خرجوا بأمره ليبلّغوا العلم.
وقد قال أنس رضي الله عنه إنه لم يرَ رسول الله ﷺ حزن على سريةٍ مثل حزنه على أولئك القرّاء.
حزن النبي ﷺ لم يكن اعتراضًا على قضاء الله، ولم يمنعه من الصبر؛ فالنبوة لا تلغي مشاعر الإنسان. كان ﷺ أرحم الناس بأصحابه، يؤلمه فقدهم، ويشتد حزنه حين يُقابل الإحسان بالغدر.
وقنت رسول الله ﷺ شهرًا في صلاة الصبح، يدعو على القبائل التي قتلت أصحابه: رِعْل وذَكوان وعُصَيّة. وثبت أصل هذا القنوت ومدته في صحيح البخاري ومسلم.
إن الدعاء في تلك الأيام لم يكن مجرد ذكر لحدث بعيد؛ كانت المدينة كلها تشعر بالفراغ الذي خلّفه سبعون رجلًا. غابت أصوات كانت تتدارس القرآن ليلًا، وأيدٍ كانت تحمل الماء والطعام نهارًا، وبيوت انتظرت أصحابها فلم يعودوا.
ما الذي بقي منهم؟
انتهت حياتهم، لكن رسالتهم لم تنتهِ.
بقي خبرهم يعلمنا أن صاحب القرآن لا ينعزل عن حاجات الناس؛ يقرأ ويعمل، يعبد الله ويخدم عباده. وبقي موقف حرام بن ملحان رضي الله عنه يغيّر معنى الفوز في القلب: ليس الفوز أن ينجو الإنسان من كل ألم، بل أن يثبت على رضا الله حتى يلقاه.
وتعلمنا بئر معونة أن الغدر لا ينقص من شرف المظلوم، وأن مقتل الداعية لا يبطل الحق الذي خرج يحمله. لقد قُتل القرّاء، لكن القرآن الذي تعلموه وعلّموه بقي محفوظًا، وانتقل من جيل إلى جيل، حتى وصل إلينا.
ولا يصح أن ننسب كل آيات الشهداء إلى هذه الحادثة بعينها دون دليل خاص، لكن المعنى القرآني العام يفتح للقلب باب الرجاء:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169].
درس الليلة
في الرجيع رأينا ثبات عشرة من الصحابة أمام الغدر، وفي بئر معونة رأينا سبعين من القرّاء يمضون على الطريق نفسه. لم يكن انتشار الإسلام طريقًا سهلًا، ولم يكن التعليم مهمةً آمنة دائمًا. ومع ذلك لم يتوقف النبي ﷺ عن تبليغ الرسالة، ولم يتوقف أصحابه عن حمل القرآن.
تعلّمنا هذه الليلة ألا نحتقر العبادة الخفية ولا الخدمة الصغيرة. فالرجال الذين ثبتوا عند بئر معونة كانوا قبل ذلك يقرؤون في الليل، ويحملون الماء والحطب في النهار. الأعمال اليومية الصادقة هي التي ربّت قلوبهم قبل يوم الامتحان.
وظل النبي ﷺ بعد بئر معونة يقود المدينة ويحفظ جماعة المسلمين، لكن التوتر داخلها كان يزداد. وستأتي المرحلة التالية من جهة أقرب: موقفٌ مع بني النضير، ومحاولة غدر ستؤدي إلى خروجهم من المدينة.
كيف بدأت القصة؟ وكيف عالج النبي ﷺ خطرًا نشأ داخل المدينة نفسها؟ نقرأ ذلك في الفصل القادم بإذن الله.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد ﷺ.