مَدارك — دليلك إلى طريق الإيمان
نَمْ على سيرة نبيّك الكريم ﷺ · الفصل الرابع والثلاثون

حين وقع الغدر عند الرَّجيع

قراءة هادئة موثّقة من السيرة النبوية

عادت المدينة إلى شيء من هدوئها بعد أُحد وحمراء الأسد، لكن ذلك الهدوء لم يكن يعني أن الأخطار انتهت. كانت رسالة الإسلام تنتشر خارج المدينة، وتصل أخبار النبي ﷺ إلى قبائل متفرقة؛ فمن الناس من جاء راغبًا في العلم والهداية، ومنهم من اقترب وهو يخفي غدرًا لا يظهر في أول الطريق.

في تلك المرحلة لم يكن نشر الإسلام قائمًا على الجيوش وحدها. كان النبي ﷺ يبعث من أصحابه من يقرئ الناس القرآن، ويعلّمهم الصلاة، ويبين لهم ما عرفوه من الدين. وكان الصحابي يخرج من المدينة حاملًا علمًا وأمانة، لا يعرف هل سيعود إلى بيته أم تكون رحلته آخر عهده بالدنيا.

وجاء يوم خرج فيه نفر من الصحابة في مهمة إلى خارج المدينة، فبدأت رحلة ظاهرها التعليم والدعوة، وانتهت عند موضع يُقال له الرَّجيع بصفحة مؤلمة من الوفاء والغدر.

روايتان في وصف المهمة

تذكر كتب السيرة أن نفرًا من قبيلتي عَضَل والقارة قدموا إلى النبي ﷺ، وقالوا إن في قومهم رغبةً في الإسلام، وطلبوا منه أن يرسل معهم من يفقههم ويقرئهم القرآن. فأرسل معهم جماعة من أصحابه.

أما رواية صحيح البخاري فتصف المجموعة بأنها بعثٌ من عشرة رجال أرسلهم النبي ﷺ، وجعل عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وتذكر أنهم خرجوا في مهمة استطلاع.

لا يلزم أن نجزم بتفصيل لم تتفق الروايات على وصفه؛ فالقدر الثابت أن النبي ﷺ بعث عشرة من أصحابه بقيادة عاصم، وأن خبرهم بلغ قومًا من هذيل، فخرجوا يتعقبونهم حتى وقع الغدر بهم. أما طلب التعليم فمشهور في كتب السيرة، ووصفهم بأنهم عيون ورد في الحديث الصحيح.

مئة رامٍ في أثر عشرة

لما بلغ الصحابة موضعًا بين عسفان ومكة، عُرف مكانهم. فخرج في طلبهم نحو مئة رجل من الرماة من بني لِحيان، وهم بطن من هذيل. تتبعوا آثارهم حتى أدركوهم، فلجأ الصحابة إلى موضع مرتفع يحتمون به.

أحاط القوم بهم، وعرضوا عليهم أن ينزلوا، وأعطوهم عهدًا ألا يقتلوهم. لكن عاصم بن ثابت رضي الله عنه لم يطمئن إلى عهدهم، وأبى أن ينزل في ذمة قوم لا يثق بوفائهم.

كان عاصم يعرف أن عدد أصحابه قليل، وأن من حولهم أكثر منهم أضعافًا. ومع ذلك لم يجعل كثرة العدو دليلًا على صدقه، ولم يسلم نفسه لوعدٍ لم يطمئن إليه. ثم دعا الله أن يُخبر رسوله ﷺ بما وقع لهم.

رماهم القوم بالسهام، فقُتل عاصم وستة من أصحابه. لم تنقل لنا الرواية الصحيحة خطبًا طويلة قالوها في تلك اللحظات، ولذلك يكفي أن نقف أمام الثابت: عشرة رجال أحاط بهم مئة رامٍ، فثبت قائدهم ومعه أكثر أصحابه حتى قُتلوا.

ثلاثةٌ نزلوا على العهد

بقي ثلاثة من الصحابة، فعاد القوم يؤكدون لهم أنهم إن نزلوا فلن يقتلوهم. فقبل الثلاثة العرض ونزلوا.

لكن ما إن صاروا في أيديهم حتى حلّ القوم أوتار أقواسهم وربطوهم بها. عندئذ قال أحد الصحابة إن هذا أول الغدر، ورفض أن يمضي معهم؛ فقتلوه. أما صاحبا البعث اللذان بقيا، فكانا خُبيب بن عدي وزيد بن الدَّثِنة رضي الله عنهما.

اقتادهما القوم إلى مكة وباعوهما لأهلها. لم يُعاملا كأسيرين في خصومة طارئة، بل صار كل واحد منهما في يد من يريد الانتقام لقتلى بدر. وهكذا انتقلت المحنة من حصار الرماة عند الرجيع إلى انتظار الموت في بيوت مكة.

أسيرٌ يحفظ الأمانة

اشترى بنو الحارث خبيبًا رضي الله عنه؛ لأنه كان قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر. وبقي عندهم أسيرًا حتى اتفقوا على قتله.

وتروي إحدى نساء البيت، كما ثبت في صحيح البخاري، أنها لم تر أسيرًا خيرًا من خبيب. رأته يومًا يأكل عنقودًا من العنب وهو موثق بالحديد، ولم يكن في مكة حينها ثمر، فعدّت ذلك رزقًا رزقه الله إياه.

وفي يومٍ طلب خبيب موسًى ليستعد، فأرسلتها إليه، ثم اقترب منه طفل صغير من أهل البيت وجلس عنده. حين انتبهت المرأة، خافت أن يقتل خبيب الطفل انتقامًا ممن يريدون قتله.

رأى خبيب الخوف في وجهها، فطمأنها وأخبرها أنه لا يفعل ذلك.

كان في الأسر، ويعلم أن القوم سيخرجونه للقتل، وكانت الفرصة أمامه ليؤذي طفلًا من أهل من أسروه؛ لكنه لم يخن أمانته، ولم يجعل ظلم الكبار عذرًا للاعتداء على الصغار. لم تكن أخلاقه ثوبًا يلبسه وقت الأمن وينزعه عند الشدة؛ ظهرت أخلاقه في اللحظة التي كان يستطيع فيها الانتقام، ولا ينتظر من الناس جزاءً ولا شكرًا.

ركعتان قبل الرحيل

لما أخرج أهل مكة خبيبًا من الحرم ليقتلوه، طلب منهم أن يتركوه يصلي ركعتين. فأذنوا له، فصلاهما بهدوء، ثم أخبرهم أنه لولا أن يظنوا أنه أطال الصلاة خوفًا من الموت لزاد فيها.

ثم دعا على من غدر به وقتله.

وصار خبيب رضي الله عنه أول من سنَّ للمسلمين صلاة ركعتين عند القتل. لم تكن الركعتان هروبًا من الحقيقة؛ كان يعلم ما ينتظره بعدهما. لكن آخر ما اختاره قبل الرحيل كان الوقوف بين يدي الله.

في أوقات كثيرة يظن الإنسان أنه يحتاج إلى زوال الخطر حتى يطمئن في عبادته، أما خبيب فقد أرانا أن القلب قد يجد سكينته وهو محاط بالخطر، إذا عرف إلى من يتوجه. لم يمنعه الأسر من الصلاة، ولم يجعله قرب الموت ينسى ربه أو يتخلى عن أخلاقه.

وقُتل خبيب رضي الله عنه، وقُتل زيد بن الدثنة رضي الله عنه كذلك، واكتملت مأساة المجموعة التي خرجت من المدينة ولم يعد منها أحد.

جسد عاصم الذي لم يصلوا إليه

كان عاصم بن ثابت رضي الله عنه قد قتل رجلًا من كبار قريش يوم أُحد، فأراد بعض أهل مكة أن يأتوا بجزء من جسده ليتأكدوا من موته وينتقموا منه.

لكن الله أرسل على جسده سربًا من الدَّبْر، وهي حشرات تشبه الزنابير، فحال بين القوم وبينه، فلم يتمكنوا من أخذ شيء منه. وكان عاصم قد عاهد الله في حياته ألا يمسه مشرك، فحفظ الله جسده بعد وفاته كما حفظ عاصم عهده في حياته.

وهذه التفاصيل، من خروج العشرة وقيادة عاصم، وحصار بني لحيان لهم، والغدر بالثلاثة، وأسر خبيب وزيد، وأخلاق خبيب وصلاته، وحماية جسد عاصم، جاءت مجتمعة في حديث صحيح طويل في صحيح البخاري.

درس الليلة

تعلمنا حادثة الرجيع أن طالب الخير قد يُقابل بالغدر، وأن وقوع الغدر لا يجعل طريق التعليم خطأ. خرج الصحابة يحملون طاعةً وعلمًا، ولم يكن ما وقع لهم ضياعًا عند الله.

ونتعلم من عاصم أن العهد لا يؤخذ من الألفاظ وحدها؛ فالحكمة مطلوبة، والثقة لا تعني إهمال الحذر. ونتعلم من خبيب أن المؤمن لا يستبيح الظلم حين يُظلم، ولا يخون الأمانة لأن الآخرين خانوا. كان قادرًا على إيذاء طفل بريء، فامتنع، وبقي حسن خلقه أقوى من رغبة الانتقام.

ونتعلم من ركعتيه أن الصلاة ليست عملًا نؤجله حتى تستقر الحياة؛ فقد تكون هي التي تثبت القلب حين تضطرب الحياة كلها.

بلغ خبر أصحاب الرجيع رسول الله ﷺ، وحزنت المدينة لرجالها الذين خرجوا فلم يعودوا. لكن الحزن الأكبر لم يكن بعيدًا؛ فبعد مدة قصيرة سيخرج عدد أكبر من قرّاء القرآن لتعليم قوم طلبوا من يعلّمهم، ثم يقع بهم غدر آخر عند بئر معونة، حتى يدعو النبي ﷺ على من قتلهم شهرًا كاملًا.

كيف وقع ذلك؟ ولماذا كان المصاب شديدًا على رسول الله ﷺ؟ نقرأ ذلك في الفصل القادم بإذن الله.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد ﷺ.