لم تكن ليلة العودة من أُحد ليلة راحة. دخل المسلمون المدينة وهم يحملون جراحهم، ويستعيدون في قلوبهم أسماء من تركوهم شهداء عند الجبل. كان التعب ظاهرًا على الأجساد، والحزن حاضرًا في البيوت، ورسول الله ﷺ نفسه قد أُصيب في وجهه ورأسه.
لكن الخطر لم يكن قد ابتعد تمامًا.
غادر جيش قريش ميدان أُحد متجهًا نحو مكة، ولم يدخل المدينة ولم يقضِ على جماعة المسلمين. لذلك خشي النبي ﷺ أن يراجع قادة قريش قرارهم، فيعودوا لاستكمال الهجوم بعدما علموا ما أصاب المسلمين من جراح واضطراب.
كان الموقف يحتاج إلى قرار سريع. فإذا بقي المسلمون داخل المدينة، ربما ظن عدوهم أنهم صاروا عاجزين عن الحركة. أما إذا خرجوا خلفه، فستصل إليه رسالة مختلفة: ما أصاب المسلمين لم يُنهِ قوتهم، ورسول الله ﷺ ما زال يقود أصحابه، والمدينة ليست طريقًا مفتوحًا لمن أراد الرجوع إليها.
النداء بعد الجراح
ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ، لما خشي رجوع المشركين بعد أُحد، قال: «مَن يذهب في إثرهم؟» فانتدب لذلك سبعون رجلًا، وكان أبو بكر والزبير رضي الله عنهما فيهم.
لم يكن هؤلاء قادمين من أيام راحة واستعداد؛ كانوا من رجال أُحد الذين أصابهم القرح. ولهذا جاء وصفهم في القرآن دقيقًا:
﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 172].
لم تمدحهم الآية لأنهم لم يتألموا، بل مدحتهم لأنهم استجابوا بعد الألم. كانوا يعرفون معنى السيوف والجراح معرفةً قريبة، ومع ذلك لم يمنعهم ما أصابهم من إجابة رسول الله ﷺ.
وتذكر كتب السيرة أن النبي ﷺ أمر أن يخرج معه من شهد أُحد، وأن جابر بن عبد الله رضي الله عنه استأذنه في الخروج؛ لأنه لم يشهد المعركة بعدما أبقاه أبوه في المدينة ليرعى أخواته، فأذن له. وهذه التفاصيل من أخبار السيرة، أما أصل خروج السبعين، ووجود أبي بكر والزبير فيهم، وارتباط ذلك بالآية، فثابت في صحيح البخاري.
قوة لا تقاس بسلامة الجسد
ربما كان بعض الخارجين يمشي ببطء من أثر جرحه، وربما احتاج بعضهم إلى من يعينه؛ لكننا لا نملك وصفًا ثابتًا لحال كل رجل، ولذلك لا ننسج مشاهد أو حوارات لم تنقلها المصادر. الذي نعلمه يقينًا يكفي: رجال أصيبوا في اليوم السابق، ثم استجابوا عندما دعاهم رسول الله ﷺ.
لقد كان خروجهم عملًا عسكريًا، لكنه كان أيضًا إعلانًا إيمانيًا. فالشجاعة لا تعني ألا يشعر الإنسان بالألم، وإنما تعني ألا يجعل الألم وحده صاحب القرار. والطاعة لا تظهر فقط حين تكون الطريق سهلة؛ قد يتبين صدقها حين يدعو الواجب إلى خطوة تثقل على النفس والجسد معًا.
لم يطلب النبي ﷺ منهم أن ينكروا جراحهم، ولم يقل إن ما جرى في أُحد كان هيّنًا. لكنه علّمهم بالفعل أن الهزيمة لا تتحول إلى نهاية ما دام المؤمن يراجع خطأه، ويستعيد طاعته، ويقوم مرة أخرى.
إلى حمراء الأسد
تذكر كتب السيرة والتفسير أن النبي ﷺ سار بأصحابه حتى بلغ حمراء الأسد، وهي ناحية خارج المدينة على طريق مكة. وكان المقصود من هذا الخروج متابعة حركة قريش، وحماية المدينة من احتمال رجوعها، وإظهار أن المسلمين ما زالوا قادرين على التحرك.
لم تكن كثرة القتال هي التي حققت الغرض هذه المرة. فحين بلغ قريش خبر خروج النبي ﷺ وأصحابه في أثرهم، مضوا في طريقهم ولم يرجعوا إلى المدينة. وهكذا تحققت هيبة الردع من غير معركة جديدة.
وتذكر روايات السيرة تفاصيل إضافية عن انتقال الأخبار بين المسلمين وقريش، وعن رجلٍ من خزاعة أسهم كلامه في تخويف جيش مكة من الرجوع. لكن هذه التفاصيل ليست في درجة الحديث الصحيح نفسه؛ لذلك نثبت المعنى العام المشهور في كتب السيرة: خرج المسلمون خلف قريش، وأظهروا قوتهم، فانصرف العدو ولم يعد إلى المدينة.
كان الفرق بين صباح أُحد وصباح حمراء الأسد كبيرًا. في أُحد وقع التنازع ومخالفة الأمر عند ظهور الغنيمة؛ أما في اليوم التالي فجاءت الاستجابة مع وجود الألم. بالأمس ترك بعض الرماة مواقعهم بعدما رأوا ما يحبون، واليوم ينهض الجرحى بعدما رأوا ما يكرهون. إنها تربية لا تقوم على أن المؤمن لا يخطئ، بل على أنه إذا أخطأ تعلّم، وإذا سقط نهض، وإذا أُصيب لم يترك الطاعة.
محاولة زرع الخوف
وصل إلى المسلمين تحذيرٌ يريد أن يثنيهم: إن قريشًا قد جمعت لهم، وإن عليهم أن يخافوا منها. كان يمكن للخبر أن يفتح جراح الأمس من جديد؛ فالقوم لم ينسوا ما رأوه في أُحد، ولم تكن آثار المعركة قد غابت عن أجسادهم.
لكن القرآن يخبرنا أن التحذير لم يزدهم ضعفًا، بل زادهم إيمانًا:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173].
وثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح البخاري أن إبراهيم عليه السلام قال: «حسبنا الله ونعم الوكيل» حين أُلقي في النار، وأن محمدًا ﷺ قالها حين قيل للمؤمنين إن الناس قد جمعوا لهم.
ليست هذه الكلمة تعويذة يقولها الإنسان ثم يترك ما يستطيع فعله؛ فقد قالها النبي ﷺ وأصحابه وهم خارجون في أثر العدو، آخذين بما يقدرون عليه من الأسباب. إنها كلمة تجمع بين اعتماد القلب على الله وحركة الجوارح في أداء الواجب.
نعمةٌ لم يختلط بها أذى جديد
لم تقع عند حمراء الأسد معركة أخرى، وعاد المسلمون من خروجهم سالمين من أذى جديد. وقد وصف القرآن خاتمة هذه الاستجابة بقوله سبحانه:
﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 174].
خرجوا وهم مثقلون بآثار أُحد، وعادوا وقد علمت قريش أن المسلمين لم ينكسروا. لم تُمحَ أحزانهم، ولم تعد إليهم أجساد الشهداء، لكن الخوف لم يملك قرارهم. وبين ألم الأمس وأمان اليوم تعلّموا أن المؤمن قد يحمل حزنه معه، ثم يمضي في الطريق الذي يرضي الله.
ثم كشف القرآن حقيقة التخويف فقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175].
درس الليلة
تعلمنا حمراء الأسد أن النهوض بعد العثرة قد يكون أعظم من السير قبلها. خرج رجال الأمس من معركة موجعة، لكنهم لم يسمحوا للخطأ والألم أن يكتبا خاتمتهم. استجابوا، وتحركوا، ووضعوا ثقتهم بالله، فعادوا بنعمة وفضل.
وقد تصيب الإنسان في حياته تجربة تجعله يظن أن قوته انتهت. لكن السيرة تعلّمه أن القوة ليست دائمًا في أن تبدأ بلا جراح؛ أحيانًا تكون القوة في أن تبدأ من جديد وأنت تعرف معنى الجرح، ثم تقول بقلب صادق: حسبنا الله ونعم الوكيل.
عاد رسول الله ﷺ وأصحابه إلى المدينة، غير أن الأشهر التالية ستحمل نوعًا آخر من الابتلاء. لن يأتي الخطر هذه المرة في صورة جيش ظاهر؛ بل ستأتي وفود تطلب من يعلّمها القرآن والدين، ثم يقع الغدر برجال خرجوا دعاةً ومعلّمين.
كيف تحولت رحلة التعليم إلى يومٍ من أشد أيام المدينة حزنًا؟ نقرأ ذلك في الفصل القادم بإذن الله.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد ﷺ.