حين سكنت أصوات السيوف عند أُحد، لم يكن الصمت الذي نزل على المكان يشبه الهدوء. كان صمتًا ثقيلًا، تتخلله أنفاس الجرحى وخطوات الباحثين عن أصحابهم. وقبل ساعات قليلة، خرج المسلمون يدافعون عن المدينة، ورأوا النصر يقترب منهم، ثم تغيّر وجه المعركة عندما خالف بعض الرماة أمر النبي ﷺ وغادروا مواقعهم. والآن وقفوا أمام نتيجة مؤلمة: جراح كثيرة، ووجوه غابت، وقلوب تحاول أن تستوعب ما جرى.
كان رسول الله ﷺ بينهم، وقد أصابه من الجراح ما أصابه، لكنه ظل يجمع من حوله ويثبّتهم. ولم تكن المعركة قد انتهت بانتصار كامل لقريش؛ فقد بقي المسلمون مجتمعين حول نبيهم ﷺ، ولم تستطع قريش أن تدخل المدينة أو تستأصل جماعة المسلمين. غير أن الثمن كان شديدًا، وقد قُتل من المسلمين نحو سبعين رجلًا، كما جاء في صحيح البخاري.
كلمة التوحيد بعد القتال
وقبل أن تنصرف قريش، صعد أبو سفيان مكانًا مرتفعًا ونادى يسأل: أفي القوم محمد؟ ثم سأل عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. أمر النبي ﷺ أصحابه أولًا ألا يجيبوه، فظن أبو سفيان أنهم قد قُتلوا. عندئذ لم يملك عمر رضي الله عنه أن يترك قوله يمر، فأخبره أن من سمّاهم أحياء.
ثم رفع أبو سفيان شعار أهل الشرك قائلًا: «اُعلُ هُبَل». فقال النبي ﷺ لأصحابه: «ألا تجيبونه؟» فسألوه ماذا يقولون، فقال: «قولوا: الله أعلى وأجل». وحين قال أبو سفيان: «لنا العُزّى ولا عُزّى لكم»، أمرهم النبي ﷺ أن يجيبوه: «الله مولانا ولا مولى لكم».
كان هذا الجواب أقصر من خطبة، لكنه حمل الفارق كله: لم يكن ثبات المسلمين متعلقًا بكثرة عددهم ولا بسلامتهم من الجراح؛ كان متعلقًا بالله. قد يتألم المؤمن، وقد يخسر جولة، وقد يرى من يحب يفارق الدنيا، لكنه لا يجعل الصنم أعلى، ولا يسلّم بأن الباطل صار حقًّا لأنه تفوق في ساعة من الساعات. وقد حفظ صحيح البخاري هذا الحوار، فكان شهادة على أن التوحيد بقي حاضرًا حتى في أشد لحظات الألم.
حمزة بين الشهداء
انصرفت قريش، وبدأ المسلمون يتفقدون أرض المعركة. هناك تحولت الأسماء التي كانت تتحرك بينهم صباحًا إلى شهداء مسجّين على الأرض. ومن بينهم حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة، وأحد أشجع المدافعين عن الإسلام.
كان فقد حمزة مؤلمًا للنبي ﷺ وللمسلمين. وقد ثبت أن حمزة قُتل في أُحد، وأن جسده مُثّل به، لكننا لا نحتاج إلى سرد الأوصاف القاسية أو جمع كل ما رُوي في تفاصيل المشهد. يكفينا أن نعلم أن النبي ﷺ وقف على واحد من أحب الناس إليه، وقد فارق الدنيا بعد أن دافع عن دين الله بشجاعة. كان رسول الله ﷺ نبيًّا مؤيدًا بالوحي، لكنه كان أيضًا وفيًّا لأهله وأصحابه، يحزن لفراقهم ولا ينافي حزنه الصبر والرضا.
مواساة جابر رضي الله عنه
وبين الشهداء كان عبد الله بن عمرو بن حرام رضي الله عنه، والد جابر بن عبد الله. جاء جابر يبكي أباه ويكشف عن وجهه، وكان بعض الصحابة ينهونه، فلم ينهه النبي ﷺ، ثم واساه بأن الملائكة ظلّت تظلله بأجنحتها حتى رُفع. لم يُلغِ النبي ﷺ حزن الابن، ولم يعاتبه على دموعه؛ بل نقل قلبه من صورة الجسد الذي فارق الحياة إلى كرامةٍ لا تراها العيون. وهذه المواساة ثابتة في صحيح البخاري.
دفن شهداء أُحد
لم تكن في الميدان أكفان تكفي كل شهيد على انفراد. فكان النبي ﷺ يجمع بين الرجلين من شهداء أُحد في الثوب، ويسأل: «أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟» فإذا أُشير إلى أحدهما قدّمه في اللحد. ثم قال ﷺ: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة».
وأمر أن يُدفن الشهداء بدمائهم، فلم يُغسّلوا، ولم تُصلَّ عليهم صلاة الجنازة يومئذ. وثبت كذلك أن بعض أهالي الشهداء أرادوا نقلهم لدفنهم في المدينة، فجاء أمر النبي ﷺ بأن يُدفنوا في المواضع التي استشهدوا فيها، فأُعيدوا إلى أرض أُحد.
لنتوقف عند هذا المشهد بهدوء: حتى في ساعة الفقد، ظل القرآن معيارًا للتقديم والتكريم. كان أولئك الرجال قد انتهى عملهم في الدنيا، لكن صلتهم بكتاب الله بقيت منزلة تُراعى عند وضعهم في قبورهم. لم تكن كثرة المال ولا شرف النسب هي التي قدّمت أحدهم، وإنما ما حمله من كلام الله. وقد وردت تفاصيل دفنهم في صحيح البخاري، وثبت الأمر بدفنهم في مواضع استشهادهم في سنن أبي داود.
لا تهنوا ولا تحزنوا
خلّف أُحد في المدينة بيوتًا تنتظر رجالًا لن يعودوا. أمٌّ تنتظر ابنها، وزوجة تنتظر زوجها، وأطفال ينتظرون أباهم. لم تكن أسماء الشهداء أرقامًا في خبر معركة، بل كانت لكل واحد منهم حياة وعائلة ومكان يعرفه الناس فيه. ولذلك لم ينزل القرآن ليطلب من المؤمنين أن يتظاهروا بأنهم لم يتألموا، بل خاطب ألمهم ورفع أبصارهم إلى ما وراءه:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: 139–140].
لم يقل لهم القرآن إن الجرح لم يقع؛ بل سمّاه جرحًا، ونهى بعده عن الوهن والاستسلام. فالإيمان لا يمنع الدموع، ولكنه يمنع اليأس، ولا يلغي الألم، لكنه يمنح صاحبه طريقًا يعبر به الألم من غير أن يفقد ثقته بالله.
أحياءٌ عند ربهم
ثم فتح القرآن نافذة أخرى لا تستطيع العين أن تراها، فقال سبحانه:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: 169–170].
غابت أجسادهم عن المدينة، لكنهم لم يضيعوا عند الله. انتهت خطواتهم فوق تراب أُحد، وبدأت لهم حياة برزخية كريمة لا نعرف حقيقتها إلا بما أخبر الله ورسوله ﷺ. وفي صحيح مسلم بيان أن أرواح الشهداء في جوف طير خضر، تسرح من الجنة حيث شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. وهذا من الحديث الصحيح، أما وصف المشاعر والمشاهد التي لم ترد في النصوص فلا نجزم به.
درس الليلة
عاد النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة يحملون جراحهم وذكرى من تركوهم عند أُحد. وكانت المدينة في تلك الليلة مختلفة عما كانت عليه في الصباح. لكن الوقت لم يكن يسمح بأن يستسلم المسلمون للحزن طويلًا؛ فقد بقي احتمال أن تفكر قريش في الرجوع لإكمال هجومها.
وفي صباح اليوم التالي، جاء النداء من جديد. رجال لم تجف جراحهم بعد سيُطلب منهم أن يخرجوا خلف العدو، ليعلم الناس أن أُحدًا آلمتهم، لكنه لم يكسرهم. وسيخلّد القرآن استجابتهم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران: 172].
كيف نهضوا من تعبهم؟ وإلى أين سار بهم النبي ﷺ؟ ذلك ما نقرؤه في الفصل القادم، حين خرج الجرحى إلى حمراء الأسد.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد ﷺ.