كان المطاردون قد صعدوا جبل ثور، واقتربوا من الغار الذي احتمى فيه رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وفي الخارج كانت قريش تبذل المال وتستعين بالرجال للعثور عليهما، أما داخل الغار فلم يكن معهما جيش ولا سلاح كثير؛ كانا رجلين في موضع ضيق، تحيط بهما أسباب الخطر، وتحفظهما عناية الله.
اقترب القوم حتى رأى أبو بكر أقدامهم، فخشي أن يقع بصر أحدهم على موضعهما. لم يكن خوفه على نفسه وحده؛ بل كان يخشى أن يصلوا إلى رسول الله ﷺ، فتتعرض الرسالة للخطر. وهنا قيلت كلمات بقيت تتلى إلى يوم القيامة.
«لا تحزن إن الله معنا»
﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40].
وثبت في صحيح البخاري أن أبا بكر رضي الله عنه قال للنبي ﷺ وهما في الغار: «لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا». فأجابه النبي ﷺ: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟».
لم يكن المقصود أن الله ثالثهما في المكان، تعالى الله عن ذلك، وإنما أن الله معهما بحفظه ونصره وتأييده. كانت الكلمات تثبّت القلب في لحظة لا يبدو فيها، بحساب البشر، أن بينهما وبين المطاردين حاجزًا.
لم ينكر النبي ﷺ وجود الخطر، لكنه أعاد نظر صاحبه إلى الحقيقة الأكبر: قريش قد تقترب، لكن الأمر كله بيد الله. ولم يكتشف المطاردون مكانهما، فعادوا دون أن يصلوا إليهما.
ولا نحتاج إلى إضافة القصص غير الثابتة عن العنكبوت أو الحمامتين حتى ندرك الحفظ؛ فكفاية الله لنبيه ثابتة بالقرآن، ونجاتهما مع اقتراب القوم ثابتة بالحديث الصحيح.
ثلاث ليالٍ من الانتظار
مكث النبي ﷺ وأبو بكر رضي الله عنه في الغار ثلاث ليال، كما ثبت في صحيح البخاري. لم يكن بقاؤهما ترددًا في متابعة الطريق، بل كان جزءًا من خطة مدروسة؛ إذ كانت قريش تتوقع أن يتجها مباشرة إلى يثرب، فأقاما بعيدًا عن الطريق المعتاد حتى تخف شدة البحث.
وفي كل ليلة كان عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما يأتي إليهما. كان شابًا فطنًا، يقضي نهاره في مكة يسمع ما يتناقله أهلها وما يخططون له، ثم يحمل الأخبار إلى الغار ليلًا. وقبل طلوع الفجر يعود إلى مكة، فيصبح بين قريش كأنه بات فيها.
وكان عامر بن فهيرة رضي الله عنه، مولى أبي بكر، يمر بالغنم بعد حلول الليل، فيستفيدان من لبنها، ثم يرجع بها قبل الصباح.
هكذا ظل الاتصال قائمًا من غير أن تعرف قريش: خبر يصل، وطعام يُحمل، وغنم تمر في وقت محسوب، وراحلتان تنتظران لحظة الانطلاق.
تظهر هنا دقة التدبير إلى جانب صدق التوكل. فالنبي ﷺ، وهو أشد الناس يقينًا بحفظ الله، لم يهمل وسيلة نافعة، ولم يكشف مساره، ولم يسلك الطريق الذي يتوقعه خصومه. وقدّم كل واحد من المشاركين ما يستطيع؛ فلم تكن الهجرة عمل رجل واحد، بل تعاونًا أمينًا حمل فيه كل شخص جزءًا من المسؤولية.
الدليل الذي ائتُمِن على الطريق
استأجر النبي ﷺ وأبو بكر رجلًا خبيرًا بالمسالك من بني الدِّيل ليكون دليلهما. كان الرجل يومئذٍ على دين قريش، لكنهما عرفا خبرته ووثقا بأمانته، فسلّماه الراحلتين، وحددا معه موعدًا عند غار ثور بعد انقضاء الليالي الثلاث.
وفي هذا درس دقيق: قد يُستعان بصاحب الخبرة المأمون في أمر مباح وإن لم يكن على دين المستعين، ما دامت أمانته معروفة ولم يُخشَ منه الغدر.
عند حلول الموعد جاء الدليل بالراحلتين، وخرج النبي ﷺ وأبو بكر، ومعهما عامر بن فهيرة والدليل. واتخذ بهم طريقًا قريبًا من الساحل، مخالفًا الطريق المعروف إلى المدينة.
غادروا الغار، لكن الخطر لم ينته؛ فقد أعلنت قريش عن مكافأة كبيرة لمن يأتي بمحمد ﷺ وأبي بكر. صار الطمع في المكافأة يدفع الفرسان إلى تفتيش الطرق والسهول. وكان من بين من تحرك بحثًا عنهما رجل اسمه سراقة بن مالك بن جُعشم.
فارسٌ يلحق بالقافلة
يروي سراقة، في حديث صحيح أخرجه البخاري، أن رجلًا رأى أشخاصًا يسيرون في البعد قريبًا من الساحل، وظن أنهم النبي ﷺ وأصحابه. أدرك سراقة أنهم المطلوبون، لكنه أخفى ظنه عن قومه حتى ينفرد بالمكافأة.
عاد إلى منزله سرًّا، وأمر بإعداد فرسه، ثم خرج بسلاحه من طريق لا يلفت الأنظار. لم يكن يومئذٍ قد خرج لنصرة النبي ﷺ، بل خرج يريد الظفر بالجائزة التي وعدت بها قريش.
أسرع بفرسه حتى اقترب من القافلة. وكان رسول الله ﷺ يمضي في طريقه يقرأ القرآن، ثابت القلب، بينما كان أبو بكر رضي الله عنه يلتفت من حين إلى آخر، يراقب ما وراءهم خشية أن يدركهم أحد.
ثم تعثرت فرس سراقة فسقط عنها. قام وركب مرة أخرى، وأصر على المتابعة. فلما اقترب، غاصت قوائم فرسه في الأرض حتى عجزت عن التقدم، وارتفع من أثرها غبار.
عند ذلك فهم سراقة أن أمرًا يمنعه، وأنه لن يستطيع أن يصل إلى النبي ﷺ بسوء. ناداهما طالبًا الأمان، فتوقفا حتى وصل إليهما. كان قد خرج مطاردًا، ثم وقف أمامهما يطلب السلامة.
من المطاردة إلى كتمان الطريق
أخبر سراقة النبي ﷺ بما أعلنته قريش من المكافأة، وبما يخططه الباحثون عنهما. وعرض عليهما شيئًا من الطعام والمتاع، فلم يأخذا منه شيئًا، ولم يطلبا ماله.
طلب منه النبي ﷺ أمرًا واحدًا: «أخفِ عنا»، أي لا تدل الباحثين على طريقهما.
وطلب سراقة لنفسه كتاب أمان، فأمر النبي ﷺ عامر بن فهيرة أن يكتبه له. ثم عاد سراقة من حيث جاء، وكلما قابل في طريقه أحدًا يبحث عن النبي ﷺ صرفه عن ذلك الاتجاه، بعد أن كان قبل قليل يريد أن يقوده إليه.
لم يدخل سراقة الإسلام في ذلك الموضع، لكنه أدرك أن لهذا الأمر مستقبلًا، وأن الرجل الذي تطارده قريش اليوم سيظهره الله. ثم أسلم بعد ذلك، وصار واحدًا من أصحاب النبي ﷺ.
تأمل كيف تغيرت الحال في ساعات قليلة: خرج سراقة يريد المكافأة على القبض على رسول الله ﷺ، وعاد يمنع الناس من سلوك الطريق الذي سلكه. لم يحتج النبي ﷺ إلى تهديده، ولم يأخذ منه مالًا؛ أراه الله من آيات الحفظ ما جعله يدرك أن يد البشر لن توقف هذه الرسالة.
الطريق يقترب من المدينة
واصل الركب سيره في حر الصحراء وعلى طرق غير مألوفة، وقد ابتعد عن مكة التي قضى فيها النبي ﷺ أكثر من خمسين عامًا من حياته. خلفه البيت الحرام وموطن طفولته وأهله، وأمامه مدينة لم يرها بعد وطنًا، لكن أهلها آمنوا به وبايعوه وانتظروا قدومه.
كان أهل يثرب يخرجون كل صباح ينتظرون رسول الله ﷺ، ثم يعودون حين يشتد عليهم حر الظهيرة. أما هو فكان لا يزال في الطريق، يتقدم مع صاحبه والدليل وعامر بن فهيرة، تحيط بهم الصحراء وتحفظهم عناية الله.
متى ظهر الركب لأهل قباء؟ وكيف استقبل المسلمون رسول الله ﷺ بعد طول انتظار؟ وأين نزل أول أيامه؟ وما أول مسجد بدأ ببنائه عند وصوله؟ نترك ذلك للفصل القادم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.