كانت المدينة تنتظر.
في كل صباح، يخرج رجال من المسلمين إلى ظاهرها، يرقبون الطريق الممتد في الصحراء، ويتطلعون إلى الأفق لعلهم يرون المسافر الذي ترك مكة مهاجرًا إلى الله. يمكثون ما استطاعوا، فإذا اشتد حر الظهيرة ولم يظهر أحد عادوا إلى بيوتهم، على أمل أن يحمل الغد الخبر المنتظر.
لقد وصلهم أن رسول الله ﷺ غادر مكة، لكنهم لم يعرفوا متى يبلغهم. وكانت المسافة طويلة، والطريق غير مأمون، وقريش قد جعلت لمن يعثر عليه وعلى صاحبه جائزة كبيرة. لذلك امتزج الشوق في قلوبهم بالقلق، وظلوا ينتظرون يومًا بعد يوم.
وفي صباح من تلك الصباحات، خرج المسلمون كعادتهم، ثم أعادهم حر النهار إلى منازلهم. وبعد انصرافهم، صعد رجل من اليهود فوق أحد الحصون لحاجة له، فرأى من بعيد رجالًا قادمين تتلألأ ثيابهم البيضاء في السراب. أدرك أن هؤلاء هم الذين ينتظرهم أهل المدينة، فنادى بأعلى صوته يخبرهم بوصول صاحبهم.
اليوم الذي طال انتظاره
انتشر النداء، وتحركت المدينة التي طال انتظارها. خرج المسلمون مسرعين لاستقبال رسول الله ﷺ، والتقوا به عند الحرة. لم يكن هذا مشهدًا نسجته الذاكرة الشعبية بعد سنوات، بل حفظه لنا حديث صحيح في البخاري، وفيه أن وصوله ﷺ كان يوم الاثنين من شهر ربيع الأول. أما تحديد اليوم من الشهر فقد اختلفت فيه الروايات، ولذلك نقف عند ما ثبت ولا نجزم بما لم يتفق عليه.
كان رسول الله ﷺ بين أصحابه هادئًا، وكان أبو بكر رضي الله عنه قائمًا يستقبل الناس، بينما جلس النبي ﷺ صامتًا. ولم يكن بعض الأنصار قد رأوا رسول الله ﷺ من قبل؛ فظنوا أول الأمر أن أبا بكر هو النبي، وجعلوا يسلمون عليه. فلما مالت الشمس نحو رسول الله ﷺ، تقدم أبو بكر وظلله بثوبه، فعرف الناس عندئذ أيهما رسول الله.
إنها صورة صغيرة، لكنها تحمل معنى كبيرًا: لم يدخل النبي ﷺ المدينة في موكب يتقدم فيه على أصحابه، ولم تكن عليه علامة من مظاهر الملوك. كان جالسًا بينهم في تواضع، حتى التبس أمره على من لم يره من قبل. أما أبو بكر، فكان قربه منه وخدمته له هما اللذان دلا الناس عليه.
المحطة الأولى في قباء
اتجه النبي ﷺ أولًا إلى قباء، في ناحية بني عمرو بن عوف. وهناك نزل بين قوم فرحوا بقدومه، وأقام عندهم عدة ليالٍ؛ وقد وردت في الروايات الصحيحة أعداد مختلفة لمدة إقامته، فلا حاجة إلى ترجيح أحدها في سياق حكايتنا. والمتيقن أنه لم يجعل قباء محطة عبور سريعة، بل أقام فيها، وصلى فيها، وأسس المسجد الذي عُرف بعد ذلك بمسجد قباء.
ويذكر حديث البخاري أن رسول الله ﷺ أسس هناك المسجد الذي قام على التقوى. وقد قال الله تعالى:
﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: 108].
وقد تناول المفسرون المراد بالمسجد في الآية، وربطت طائفة منهم هذا الوصف بمسجد قباء، بينما جاء في الحديث الصحيح أيضًا إطلاق هذا المعنى على مسجد النبي ﷺ. لذلك نكتفي بالثابت: أن بناء مسجد قباء كان من أول الأعمال التي قام بها النبي ﷺ بعد وصوله.
تأمل هذا الاختيار: بعد رحلة طويلة، وخطر لاحقه في الطريق، وانتظار ممتد عند أهل المدينة، كان من أوائل ما بدأ به ﷺ إقامة موضع للصلاة. لم تكن المدينة قد أصبحت بعد دولة مستقرة، ولم تُبنَ فيها مؤسسات المجتمع الجديد، لكن الصلة بالله كانت البداية التي ينتظم حولها كل ما سيأتي بعدها.
وفي قباء اكتملت صفحة الرحلة الآمنة. خرج رسول الله ﷺ من مكة ليلًا، واختفى في الغار، وسلك طريقًا غير مألوف، ولحقه المطاردون، ثم وصل إلى مكان يستطيع فيه أن يصلي بين قوم يحبونه ويحرسونه. لم تعد قريش تحيط به، ولم يعد المؤمنون مضطرين إلى إخفاء كل صلاة أو لقاء. ومع ذلك، لم يكن وصوله نهاية الطريق؛ بل كان بداية عمل جديد أثقل وأعظم.
فرحٌ عمَّ المدينة
ثم ركب النبي ﷺ ناقته متجهًا إلى قلب المدينة، وخرج الناس معه. وفي رواية صحيحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رؤساء بني النجار أحاطوا برسول الله ﷺ وهم متقلدو سيوفهم، تعبيرًا عن الحماية والوفاء بالعهد الذي قطعه الأنصار من قبل. وكان أبو بكر رضي الله عنه معه، والقلوب من حولهما عامرة بالفرح.
ويروي البراء بن عازب رضي الله عنه أنه لم ير أهل المدينة فرحوا بشيء كفرحهم بقدوم رسول الله ﷺ، حتى كانت الجواري يقلن إن رسول الله قد قدم. وهذه الشهادة الصحيحة تغنينا عن المبالغة وعن نسبة الأناشيد المشهورة إلى ذلك اليوم من غير دليل ثابت؛ فالفرح نفسه ثابت، ظاهر، عمَّ بيوت المدينة وأهلها.
كان كل بيت من الأنصار يتمنى أن يحظى بنزول النبي ﷺ عنده. غير أن ناقته مضت حتى بركت في موضع كان يُستعمل لتجفيف التمر، وكان لغلامين يتيمين هما سهل وسهيل. وسيصبح هذا الموضع قريبًا مسجد رسول الله ﷺ، ومركز العبادة والتعليم والاجتماع في المدينة. لكن البناء لم يبدأ بعد؛ فالليلة الأولى كانت تحتاج إلى بيت يأوي إليه النبي المسافر.
في بيت أبي أيوب
نزل رسول الله ﷺ في جوار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وأقام في بيته. وهكذا انتهت الرحلة التي بدأت من دارٍ في مكة أحاط بها المتآمرون، إلى دارٍ في المدينة فتحها صاحبها محبة وإكرامًا. وبين الدارين غار، وصحراء، ومطاردة، وصحبة صادقة، وثقة لم تهتز بوعد الله.
لم يكن أبو أيوب يعلم، حين استقبل ضيفه الكريم، أن بيته سيبقى مذكورًا في كتب الحديث والسيرة عبر القرون. وربما كان يظن أنه يقدم مكانًا للنوم وطعامًا للمسافر، لكنه في الحقيقة كان يشارك في أول أيام المجتمع الإسلامي الجديد. أحيانًا يكون العمل في ظاهره صغيرًا، ثم يرفعه الله بصدق صاحبه وبمنفعة تصل إلى عباده.
وفي تلك الليلة، نام رسول الله ﷺ في المدينة بعد رحلة الهجرة. أما أهلها فقد أصبحوا منذ ذلك اليوم «الأنصار»، وأصبح القادمون من مكة «المهاجرين». وستبدأ بين الفريقين أخوة تتجاوز القبيلة والمال والموطن، ويبدأ معها بناء المسجد، وتنظيم مجتمع يجمع غرباء مكة بأهل المدينة في رابطة الإيمان.
لكن كيف بُني مسجد النبي ﷺ؟ وكيف شارك الرسول بنفسه في حمل اللبن والحجارة؟ وكيف تحولت ساحة بسيطة إلى قلب المدينة الجديدة؟
تلك صفحة الليلة القادمة بإذن الله.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.