مَدارك — دليلك إلى طريق الإيمان
نَمْ على سيرة نبيّك الكريم ﷺ · الفصل السابع عشر

ليلة الخروج من مكة

قراءة هادئة موثّقة من السيرة النبوية

كانت بيوت كثيرة من بيوت المسلمين في مكة قد خلت من أهلها. خرج المهاجرون إلى يثرب جماعاتٍ وأفرادًا، تاركين وراءهم أموالًا ومنازل وذكرياتٍ طويلة، لا طلبًا لدنيا جديدة، بل فرارًا بدينهم إلى أرضٍ يستطيعون فيها عبادة الله.

وبقي رسول الله ﷺ في مكة ينتظر الإذن من ربه، وبقي أبو بكر الصديق رضي الله عنه يرجو أن يكون رفيقه في الطريق. أما قريش، فقد رأت أن المسلمين لم يعودوا أفرادًا متفرقين يسهل حصارهم؛ لقد صار لهم في يثرب إخوان يحمونهم، ومدينة يمكن أن تجتمع فيها الدعوة وتنمو.

وأدرك زعماء قريش أن خروج النبي ﷺ إلى يثرب سيغيّر كل شيء؛ لذلك اجتمعوا يبحثون عن وسيلة تمنعه من الوصول إليها.

مكر قريش

﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].

كان أمامهم، كما تبين الآية، ثلاثة اقتراحات: أن يحبسوه، أو يقتلوه، أو يخرجوه من مكة. لكنهم كانوا يعلمون أن حبسه لن يمنع القرآن من الوصول إلى الناس، وأن إخراجه قد يتيح له الاجتماع بأنصاره؛ فمالوا إلى قتله.

وتذكر كتب السيرة أن قريشًا اجتمعت في دار الندوة، وهي الدار التي كانت تتشاور فيها في أمورها المهمة. واستقر رأيها على أن تختار من قبائلها شبانًا يشتركون جميعًا في قتله، حتى يتفرق دمه بين القبائل، فلا يستطيع بنو هاشم قتالها كلها.

أصل المكر ومحاولات الحبس أو القتل أو الإخراج ثابت بنص القرآن، أما وصف اجتماع دار الندوة وتفاصيل الآراء التي قيلت فيه فمن روايات السيرة والتفسير؛ لذلك نثبت أصل الحادثة، ولا نعامل كل حوار منقول فيها معاملة الحديث الصحيح.

قد يخطط الناس في مجلس مغلق، ويحسبون أنهم أحاطوا بكل الاحتمالات، لكن فوق تدبيرهم تدبير الله. كانوا يريدون إطفاء نور الرسالة، بينما كان الله يهيئ لها طريقًا إلى المدينة.

ساعة غير معتادة

كان أبو بكر رضي الله عنه قد استعد للهجرة من قبل، لكن النبي ﷺ طلب منه أن ينتظر؛ فقد كان يرجو أن يؤذن له فيصحبه. فأبقى أبو بكر راحلتين عنده، وظل يعلفهما استعدادًا لرحلة لا يعرف موعدها.

وتروي عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري أن رسول الله ﷺ جاء إلى بيت أبي بكر في وقت الظهيرة، وهي ساعة لم يكن من عادته أن يأتيهم فيها. فلما رآه أبو بكر علم أن وراء مجيئه أمرًا مهمًّا.

دخل النبي ﷺ وأخبره أن الله أذن له بالخروج. فسأله أبو بكر، يرجو ما انتظره طويلًا: هل يكون له شرف الصحبة؟ فأجابه النبي ﷺ بالموافقة. فبكى أبو بكر من الفرح.

قالت عائشة رضي الله عنها إنها لم تكن تعلم قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من شدة الفرح، حتى رأت أباها يبكي حين علم أنه سيرافق رسول الله ﷺ.

عرض أبو بكر إحدى راحلتيه، فأبى النبي ﷺ أن يأخذها إلا بثمنها. ثم بدأت الأسرة تعد ما يحتاجان إليه، وصنعت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها سفرة الطعام، ولم تجد ما تربط به فم الوعاء، فشقّت نطاقها وربطته به؛ ولهذا عُرفت بذات النطاقين.

تكشف هذه التفاصيل أن التوكل لم يكن تركًا للأسباب: أُعدت الراحلتان، وجُهز الطعام، واختير الرفيق، ووُضعت للرحلة خطة دقيقة.

أمانة في ساعة الخطر

تذكر كتب السيرة أن النبي ﷺ أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يبيت في فراشه تلك الليلة، وأن يبقى في مكة حتى يؤدي إلى أصحابها الودائع التي كانت عند رسول الله ﷺ.

كانت قريش تعاديه وتخطط لقتله، ومع ذلك كان بعض أهلها يأتمنه على أمواله؛ فقد عرفوا صدقه وأمانته وإن جحد كثير منهم رسالته.

وأداء الأمانات في هذه الساعة يحمل معنى عظيمًا: لم يسمح النبي ﷺ لظلمهم أن يغيّر أخلاقه، ولم يجعل عداوتهم عذرًا لأخذ أموالهم. وقصة مبيت علي رضي الله عنه وردّ الودائع مشهورة في كتب السيرة، لكنها ليست في درجة حديث الهجرة الطويل الذي رواه البخاري.

خروج في سكون الليل

أحاط رجال قريش بالبيت ينتظرون خروج النبي ﷺ، وهم يظنون أن خطتهم قد أُحكمت. لكن رسول الله ﷺ خرج بإذن الله، وفشل مكرهم قبل أن يبدأ الطريق.

وحين اكتشفوا أنه لم يعد في البيت، وجدوا عليًّا رضي الله عنه مكانه. كان الرجل الذي أرادوا قتله قد خرج، وأصبح البحث عنه يمتد في طرق مكة وجبالها.

لم يتجه النبي ﷺ مع أبي بكر شمالًا نحو يثرب مباشرة؛ فهذا هو الطريق الذي ستتوقعه قريش. اتجها أولًا جنوب مكة إلى جبل ثور، واختارا غارًا فيه ليبقيا بعيدًا عن أعين المطاردين حتى يهدأ البحث.

لم يكن هذا المسار المعتاد لمن يريد المدينة، لكنه كان جزءًا من إحكام الأسباب. فالإيمان بأن الله حافظهما لم يمنعهما من إخفاء الطريق، والاستعانة بمن يحمل الأخبار والطعام، واختيار دليل خبير بعد الخروج من الغار.

خطة تعمل في الخفاء

ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ وأبا بكر مكثا في غار ثور ثلاث ليال. وكان عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما يبيت عندهما ثم يعود إلى مكة قبل الصباح، فيسمع ما تقوله قريش ويأتيهما بالأخبار ليلًا.

وكان عامر بن فهيرة رضي الله عنه، مولى أبي بكر، يرعى الغنم ويمر بهما في الليل، فيشربان من لبنها. كما استأجرا دليلًا ماهرًا بالطريق، مع أنه لم يكن مسلمًا حينئذٍ، بعد أن وثقا بأمانته وخبرته، وسلّماه الراحلتين ليأتي بهما بعد ثلاث ليال.

هكذا اشترك في إنجاح الرحلة رجال ونساء، وكل واحد منهم يؤدي مهمة محددة: رفيق يصاحب، وابنة تجهز الطعام، وشاب يحمل الأخبار، وراعٍ يأتي بالغنم، ودليل يعرف المسالك.

كانت الهجرة توكلًا صادقًا، لكنها كانت كذلك تخطيطًا وأخذًا بالأسباب. فالمؤمن يبذل وسعه، ويعلم أن النجاح والحفظ من الله وحده.

عند باب الغار

وصل النبي ﷺ وصاحبه إلى غار ثور، ودخلاه بينما كانت قريش تبحث عنهما وتعلن المكافآت لمن يعثر عليهما أو يأتي بهما.

ومن المهم أن نقف عند ما ثبت: دخولهما الغار، وبقاؤهما فيه ثلاث ليال، ووصول المطاردين قريبًا منهما. أما القصص المشهورة عن نسيج العنكبوت والحمامتين على باب الغار، فلم تثبت بأسانيد صحيحة يعتمد عليها؛ ولذلك لا نحتاج إليها لنعرف كيف حفظ الله نبيه.

﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].

رجلان في غار، وقريش من حولهما تملك الرجال والسلاح والمكافآت، ومع ذلك كانت القوة الحقيقية في هذه الكلمات الهادئة: إن الله معنا.

لكن المطاردين صعدوا الجبل واقتربوا حتى صاروا عند الغار. فماذا قال أبو بكر رضي الله عنه حين رأى أقدامهم؟ وكيف خرج النبي ﷺ بعد الليالي الثلاث؟ ومن الرجل الذي كاد أن يدركهما ثم عاد يحمي خبرهما؟ نترك ذلك للفصل القادم.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.