كان الإسلام قد بدأ ينتشر في يثرب بهدوء. عاد الرجال الذين بايعوا النبي ﷺ في العقبة الأولى إلى قومهم، ورافقهم مصعب بن عمير رضي الله عنه يقرئ الناس القرآن ويعلمهم دينهم. دخل النور بيوتًا من الأوس والخزرج، وأسلم رجال كانت لهم مكانة في أقوامهم، وصارت المدينة البعيدة تتهيأ لأمر لم تعرف حجمه بعد.
أما في مكة، فبقي النبي ﷺ وأصحابه يواجهون أذى قريش. ثم جاء موسم الحج، وجاء معه وفد كبير من أهل يثرب، يخفي بعض أفراده إيمانهم عمّن كان معهم من المشركين.
لم تكن رحلتهم هذه المرة لمجرد الاستماع أو التعلم؛ كانوا قادمين ليحملوا عهدًا سيغيّر طريق الدعوة كلها.
موعد في ظلمة الليل
تروي كتب السيرة، وفي مقدمتها رواية كعب بن مالك رضي الله عنه، أن المسلمين من أهل يثرب اتفقوا مع النبي ﷺ على لقاءٍ عند العقبة في إحدى ليالي الحج.
انتظروا حتى مضى جزء من الليل وهدأت الحركة في المعسكرات، ثم خرجوا من رحالهم متفرقين، يتحركون في حذر حتى لا يشعر بهم المشركون الذين قدموا معهم. اجتمعوا في شِعبٍ قريب من العقبة، وكانوا ثلاثة وسبعين رجلًا ومعهم امرأتان: نسيبة بنت كعب، المعروفة بأم عمارة، وأسماء بنت عمرو رضي الله عنهم.
هذه الأعداد وتفاصيل خروجهم خفية وردت في رواية كعب بن مالك التي أخرجها الإمام أحمد، وأورد أصلها ابن هشام، وصحح أصلها عدد من أهل الحديث. كما ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه شهد العقبة مع اثنين من أخواله.
جلس القوم ينتظرون رسول الله ﷺ. ثم جاءهم ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، الذي لم يكن قد أسلم حينئذٍ على المشهور، لكنه أراد أن يتأكد من قدرة القوم على الوفاء بما سيعاهدون عليه ابن أخيه.
لم يكن اللقاء احتفالًا ظاهرًا، ولا تجمعًا يشاهده أهل مكة؛ كان مجلسًا صغيرًا في ظلمة الليل، لكنه حمل بداية انتقال الرسالة من مرحلة الصبر في مكة إلى مرحلة بناء مجتمعٍ يحميها.
عهد لا تُخفى تبعاته
تذكر روايات السيرة أن العباس تحدث أولًا، وبيّن لأهل يثرب أن محمدًا ﷺ له مكانته وحمايته في قومه، وأنهم إن كانوا سيدعونه إلى بلدهم فعليهم أن يعرفوا ما يتحملونه من مسؤولية، وألا يخذلوه بعد خروجه إليهم.
كان الكلام واضحًا؛ فاستقبال النبي ﷺ لم يكن استضافة رجل مسافر ثم تنتهي، بل كان يعني الوقوف معه أمام من سيحاربه، وحمايته كما يحمون أهلهم.
طلب القوم أن يتحدث النبي ﷺ، فقرأ عليهم القرآن، ودعاهم إلى الله، ورغبهم في الإسلام. ثم بايعهم على أن يحموه مما يحمون منه نساءهم وأبناءهم.
وتذكر الرواية أن البراء بن معرور رضي الله عنه أخذ بيده وأعلن استعدادهم للوفاء والنصرة. ولم يَعِدْهم النبي ﷺ بمالٍ أو سيادة، ولم يُخفِ عنهم ثقل الطريق. وحين سألوا عن جزائهم إن وفوا، جاء في روايات السيرة أن لهم الجنة.
فهم القوم أن هذه البيعة ستجعلهم في مواجهة مع قبائل العرب التي تعادي الدعوة، ومع ذلك اختاروا العهد.
«أنا منكم وأنتم مني»
كان لأهل يثرب علاقات وعهود مع جماعات تعيش بينهم، وعرفوا أن نصرة النبي ﷺ قد تغير تلك العلاقات وتدخل مدينتهم في مرحلة جديدة.
وتروي السيرة أن أبا الهيثم بن التيهان رضي الله عنه سأل النبي ﷺ: إن هم قطعوا بعض روابطهم وتحملوا تبعات النصرة، فهل يمكن أن يعود إلى قومه ويتركهم إذا أظهره الله؟
لم يغضب النبي ﷺ من السؤال، فقد كان سؤال رجل يريد وضوح العهد قبل الدخول فيه. وجاء جوابه مؤكدًا معنى الوفاء المتبادل: «أنا منكم وأنتم مني».
أي إن العلاقة الجديدة ليست منفعة مؤقتة تنتهي عند زوال الشدة. لقد صار بينهم عهد نصرة ووفاء. وهذه التفاصيل من رواية العقبة في كتب السيرة ومسند أحمد؛ لذلك تُذكر بصفتها رواية سيرة مسندة، لا على أنها جميعًا من نصوص الصحيحين.
اثنا عشر نقيبًا
بعد تمام البيعة، طلب النبي ﷺ من القوم أن يختاروا منهم اثني عشر نقيبًا يكونون مسؤولين عن أقوامهم: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس، كما تذكر كتب السيرة.
لم تكن البيعة حماسة ليلة ثم يعود كل واحد إلى شأنه. فقد جعل لها تنظيمًا ومسؤوليات، واختير من يتابع الناس ويقوم بينهم بما يحتاج إليه أمر الدعوة. كان الإيمان قد دخل يثرب أفرادًا، لكنه بدأ الآن يتحول إلى جماعة منظمة تعرف واجباتها.
وتذكر روايات السيرة أن واحدًا من الأنصار عرض أن يقاتلوا أهل منى في صباحهم، لكن النبي ﷺ لم يأذن بذلك؛ فلم يكن مأمورًا بالقتال في ذلك الموضع. ففي هذا الموقف يظهر انضباط الجماعة المؤمنة: القرار يتبع أمر الله وحكمة الرسول ﷺ، لا اندفاع اللحظة.
انكشاف الخبر
انتهى اللقاء، وأمرهم النبي ﷺ أن يعودوا إلى رحالهم. رجعوا متفرقين كما خرجوا، وناموا بين قومهم كأن شيئًا لم يحدث.
لكن خبرًا عن البيعة وصل إلى قريش في الصباح، فجاء بعض زعمائها إلى أهل يثرب يسألونهم ويعترضون على إخراج محمد ﷺ من مكة ومبايعته على حربهم.
أنكر المشركون من أهل يثرب علمهم بالأمر، وكانوا صادقين؛ لأن المؤمنين أخفوا الاجتماع عنهم. وظلت قريش تبحث عما جرى بعد أن تحرك الوفد للعودة، لكنها لم تستطع إلغاء العهد الذي تم في تلك الليلة.
الإذن بالهجرة
بعد البيعة، أذن النبي ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى يثرب، فبدأوا يغادرون مكة جماعات وأفرادًا. كانوا يتركون البيوت والأموال والأقارب ابتغاء حفظ دينهم.
وثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ أخبر المسلمين أنه أُري دار هجرتهم: أرضًا ذات نخل بين حرتين، أي بين أرضين حجريتين سوداويين. فعرفوا أنها يثرب، واستعد أبو بكر رضي الله عنه للهجرة، لكن النبي ﷺ طلب منه الانتظار؛ رجاء أن يؤذن له فيصحبه.
تحولت الدعوة من كلمات يحملها أهل يثرب إلى عهد يحمي المؤمنين. وبدأت بيوت مكة تفقد أبناءها واحدًا بعد آخر، بينما كانت قريش تدرك أن المسلمين يجتمعون في مدينة خارج سلطانها.
لكن النبي ﷺ بقي في مكة ينتظر أمر ربه، وبقي معه أبو بكر وعلي رضي الله عنهما ومن حُبس أو عجز عن الخروج. كانت الهجرة تقترب، وكانت قريش تعد اجتماعًا خطيرًا لمنعها.
ماذا قرر زعماء مكة؟ وكيف خرج النبي ﷺ من بيته؟ ومن كان رفيقه في الطريق؟ نترك ذلك للفصل القادم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.