مَدارك — دليلك إلى طريق الإيمان
نَمْ على سيرة نبيّك الكريم ﷺ · الفصل الخامس عشر

حين بدأ النور ينتقل إلى يثرب

قراءة هادئة موثّقة من السيرة النبوية

بعد ليلة الإسراء والمعراج، بقي النبي ﷺ في مكة يحمل رسالته بين قومٍ يعرفون صدقه، ثم يعاند كثيرٌ منهم دعوته. مضت سنوات وهو يقرأ عليهم القرآن، ويدعوهم إلى عبادة الله وحده، ويصبر على الاستهزاء والأذى. خرج إلى الطائف فلم يجد فيها النصرة، ثم عاد إلى مكة وقلبه لم يفقد الرجاء.

قد يظن الناظر إلى تلك الأيام أن أبواب الأرض قد أُغلقت: مكة تقاوم الدعوة، والطائف ردّت صاحبها، والمؤمنون ما بين مستضعفٍ ومهاجرٍ إلى الحبشة. لكن الله كان يفتح بابًا بعيدًا عن توقعات قريش؛ بابًا لن يبدأ بقائدٍ مشهور أو جيشٍ عظيم، بل برجالٍ قدموا من مدينة تقع شمال مكة، فجلسوا يستمعون إلى القرآن.

كانت تلك المدينة تُسمى يثرب، وسيُكتب لها بعد ذلك أن تصبح المدينة النبوية.

الدعوة بين القبائل

كان العرب يفدون إلى مكة في مواسم الحج، فيجتمع فيها القادمون من قبائل متعددة. وتذكر كتب السيرة أن النبي ﷺ كان يخرج إليهم، يعرض عليهم الإسلام، ويدعوهم إلى الله، ويطلب من يحميه حتى يبلّغ رسالة ربه.

لم يكن يبحث عن سلطانٍ لنفسه، ولا عن قبيلة ينتقم بها ممن آذاه؛ وإنما كان يريد أرضًا تستطيع الدعوة أن تتحرك فيها، وناسًا يسمعون كلام الله قبل أن يحكموا عليه بما تقوله قريش.

وتذكر روايات السيرة أنه لقي ردودًا مختلفة؛ فمن الناس من رفض، ومنهم من أحسن الاستماع ثم لم يستجب، ومنهم من حاول ربط النصرة بشروط تتعلق بالحكم والملك. ولم يقبل النبي ﷺ أن يجعل أمر الرسالة صفقةً دنيوية؛ فالأمر لله يضعه حيث يشاء.

ظل ﷺ يعرض دعوته في هدوء وثبات. كان يرى الرفض مرة بعد مرة، لكنه لم يكن يعلم أي مجلس صغير سيجعله الله بدايةً لتحول كبير.

اللقاء الذي تغيّر بعده الطريق

تذكر سيرة ابن إسحاق، كما رواها ابن هشام، أن النبي ﷺ لقي عند العقبة نفرًا من الخزرج قدموا من يثرب. سألهم عن قومهم، ثم جلس معهم ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن.

كان بين الأوس والخزرج في يثرب نزاع طويل أنهك الفريقين، وكانت آخر حروبهم الكبرى قد تركت في النفوس تعبًا وحاجةً إلى ما يجمع القلوب. كما عاش اليهود بينهم، وكان أهل السيرة يذكرون أن اليهود كانوا يتحدثون عن نبي قد اقترب زمانه.

حين سمع أولئك الرجال كلام النبي ﷺ، رأوا فيه أمرًا يعرفون شيئًا من خبره، ورجوا أن يجمع الله به قومهم بعد الفرقة. فآمنوا به، ثم عادوا إلى يثرب يحملون ما سمعوه.

هذه التفاصيل من كتب السيرة، وليست جميعها واردةً في حديث صحيح واحد؛ لذلك لا نضيف إلى اللقاء حوارًا متخيلًا، ولا نجزم بكل تفصيل في عدد الرجال وأسمائهم. لكن أصل بدء إسلام الأنصار عند العقبة وانتقال خبر الإسلام إلى يثرب من الوقائع المشهورة التي قامت عليها أحداث السيرة التالية.

دعوة تنتقل بالكلمة

لم يكن مع أولئك الرجال جيش ولا مال كثير، وإنما عادوا بكلمة آمنوا بها. دخلوا بيوتهم وحدّثوا أهلهم عن رسول الله ﷺ، فبدأ اسمه يُذكر في يثرب، ودخل الإسلام بيوتًا جديدة.

هنا نرى كيف ينمو الخير: قد يسمع الإنسان آيةً في مجلس صغير، ثم يحملها إلى أسرته، ويحملها آخر إلى جاره، حتى يصل النور إلى مكان لم يذهب إليه الداعية بنفسه.

لم يكن أهل يثرب يومها يعرفون أنهم يهيئون وطنًا جديدًا للرسالة، ولم يكن أهل مكة يرون ما يحدث داخل تلك البيوت البعيدة. كانت قريش تنظر إلى عدد المسلمين القليل حول الكعبة، بينما كانت بذور مجتمع جديد تُغرس في الشمال.

ومضى عام، ثم عاد من أهل يثرب عدد أكبر للقاء النبي ﷺ.

بيعة العقبة الأولى

اجتمع بالنبي ﷺ عند العقبة اثنا عشر رجلًا من أهل يثرب، فبايعوه على الإيمان والطاعة في المعروف. ثبت في صحيح البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وكان ممن شهد العقبة، أن النبي ﷺ قال لمن حوله: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا».

وشملت البيعة ترك السرقة والزنا وقتل الأولاد والبهتان، وعدم عصيانه في معروف. ووعد من وفّى بأن أجره على الله. وهذا أصل ثابت في الحديث الصحيح، وإن كان أهل السيرة يسمونها بيعة العقبة الأولى أو بيعة النساء؛ لأنها لم تتضمن يومئذٍ القتال والدفاع العسكري.

تأمل ما بدأت به الجماعة الجديدة: لم تبدأ بشعار قبلي، ولا بوعدٍ بالغنائم، بل بالتوحيد وإصلاح السلوك. عبادة الله وحده، وصيانة الأموال والأعراض والدماء، والالتزام بالمعروف؛ هكذا كان الإيمان يبني الإنسان قبل أن يبني الدولة.

أول سفير للإسلام

حين أراد أولئك الرجال الرجوع، بعث النبي ﷺ معهم مصعب بن عمير رضي الله عنه، وأمره ـ كما تذكر كتب السيرة ـ أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين. ونزل مصعب عند أسعد بن زرارة رضي الله عنه، حتى عُرف في المدينة بالمقرئ.

كان اختيار مصعب ذا دلالة. فقد كان شابًا من مكة عاش في نعمة، ثم ترك ما اعتاده حين آمن، وتحمل الأذى وهاجر إلى الحبشة. والآن أصبح حاملًا للقرآن إلى مدينة كاملة.

لم يرسله النبي ﷺ ليكون صاحب سلطة على الناس، بل معلمًا وداعيًا. كان عمله أن يقرأ القرآن، ويبين الإسلام، ويعامل الناس بالحكمة. وتروي كتب السيرة أن دعوته أثمرت إسلام رجال ذوي مكانة في قومهم، منهم أُسيد بن حضير وسعد بن معاذ رضي الله عنهما، وأن انتشار الإسلام اتسع بعد دخولهما فيه.

وتفاصيل لقائهما بمصعب والحوار الذي دار بينهم من روايات السيرة؛ لذلك لا نقدم ألفاظها على أنها أحاديث صحيحة. لكن النتيجة واضحة: صار الإسلام حاضرًا في بيوت كثيرة من الأوس والخزرج، وأصبح في يثرب مجتمع يتعلم القرآن وينتظر لقاء النبي ﷺ.

البناء قبل الانتقال

كان النبي ﷺ لا يزال في مكة، ولم يؤذن له بالهجرة بعد. ومع ذلك، بدأ إعداد المكان الجديد قبل وصوله. سبقته الآيات، وسبقه المعلم، وسبقه الإيمان في قلوب الرجال والنساء.

وهذا درس هادئ من السيرة: التحولات الكبيرة لا تبدأ دائمًا يوم يراها الناس. قد يبدأ التغيير في مجلس صغير، ثم درسٍ في بيت، ثم قلب يطمئن إلى الحق، حتى يحين الوقت الذي يظهر فيه ما نما طويلًا في الخفاء.

عاد مصعب بن عمير رضي الله عنه إلى مكة في الموسم التالي، يحمل للنبي ﷺ أخبار انتشار الإسلام في يثرب. ولم يعد القادمون منها اثني عشر رجلًا فقط؛ فقد اقترب موعد لقاء أكبر، وبيعة أشد أثرًا، سيتعهد فيها رجال ونساء بحماية رسول الله ﷺ مما يحمون منه أنفسهم وأهليهم.

كيف تمت بيعة العقبة الثانية؟ وكيف بدأت بعدها الهجرة من مكة؟ نترك ذلك للفصل القادم، ونختم ليلتنا بالصلاة والسلام عليه:

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.