عاد رسول الله ﷺ من الطائف بعدما لقي من أهلها ما لقي، ودخل مكة مستمرًّا في دعوته، لا تتوقف رسالته عند قبول قوم ولا تنتهي برفض مدينة. كانت أبواب كثيرة في الأرض قد ضاقت أمامه، لكن الله سبحانه أراه في المرحلة المكية آياتٍ عظيمة، وربط بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، ثم عُرج بنبيه ﷺ إلى السماوات العلا.
لم تكن تلك الليلة قصةً نزينها بما لم يثبت؛ بل معجزة أخبر بها القرآن، وشرحت الأحاديث الصحيحة بعض أحداثها. أما تاريخها المحدد من السنة والشهر والليلة، فلم يثبت فيه دليل صحيح؛ ولذلك نروي الحدث كما ثبت، دون أن نجزم بموعد اختلفت فيه الأقوال.
من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء: 1].
بدأت الآية بالتسبيح؛ لأن ما جرى آية عظيمة لا يقدر عليها إلا الله. فهو سبحانه الذي أسرى بعبده، وهو الذي اختار له هذه الرحلة، وهو الذي أراه من آياته. ولم تنسب الآية الأمر إلى قدرة بشرية أو وسيلة مألوفة، بل نسبته كله إلى الله.
وكان الإسراء من المسجد الحرام في مكة إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس. وهكذا اجتمع في ليلة واحدة مسجدان عظيمان، وربطت الرحلة بين مهبط الوحي على أنبياء بني إسرائيل وبين البلد الذي بدأت منه الرسالة الخاتمة.
وفي صحيح مسلم أن النبي ﷺ أُتي بالبراق، وهي دابة بيضاء فوق الحمار ودون البغل، سريعة الخطو، فركبها حتى وصل إلى بيت المقدس، وربطها بالحلقة التي كان الأنبياء يربطون بها، ثم دخل المسجد وصلى فيه.
لا نعرف هيئة البراق إلا بالقدر الذي جاء في الحديث، فلا نرسم له صورة من الخيال ولا نضيف إلى وصفه أوصافًا لم تُنقل. يكفينا أن نؤمن بأن الله الذي خلق أسباب السفر المعتادة قادر على أن يحمل نبيه في ليلة بوسيلة من خلقه لا يعرفها الناس في حياتهم اليومية.
صلة الرسالة بالأنبياء
لم تكن رحلة الإسراء منفصلة عن مسيرة النبوة السابقة. فبيت المقدس أرض ارتبطت بأنبياء كثيرين، ومحمد ﷺ لم يأتِ بدين يقطع صلته بإبراهيم وموسى وعيسى وسائر رسل الله عليهم الصلاة والسلام؛ بل جاء مصدقًا بأصل دعوتهم إلى عبادة الله وحده.
ثم عُرج بالنبي ﷺ من بيت المقدس إلى السماوات. وتذكر الأحاديث الصحيحة أن جبريل عليه السلام كان معه، وأن أبواب السماوات فُتحت له، وأنه لقي عددًا من الأنبياء، منهم آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم عليهم السلام. وكانوا يستقبلونه ويرحبون به بصفته النبي الصالح والأخ الصالح، وقال إبراهيم عليه السلام: النبي الصالح والابن الصالح.
تأمل هذا اللقاء الهادئ: أنبياء فرّقت بين أزمانهم قرون طويلة، وجمعت بينهم عقيدة واحدة ورسالة أصلها واحد. اختلفت شرائعهم في بعض الأحكام، لكن دعوتهم جميعًا قامت على توحيد الله وطاعته.
ولم تكن هذه اللقاءات لسرد أخبار غريبة؛ بل كانت تكريمًا وتثبيتًا للنبي ﷺ، وإظهارًا لمكانته في سلسلة النبوة. فالذي واجه في الأرض التكذيب والإيذاء، استقبله أنبياء الله في السماوات بالترحيب والسلام.
عند سدرة المنتهى
بلغ النبي ﷺ سدرة المنتهى، ورأى من آيات ربه الكبرى. وأشار القرآن إلى هذا المشهد في سورة النجم:
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ [النجم: 14-18].
وجاء في صحيح البخاري أن سدرة المنتهى غشيتها ألوان لا يحيط النبي ﷺ بوصفها، وأنه أُدخل الجنة فرأى فيها ما شاء الله أن يريه. وهنا نقف عند ألفاظ الوحي؛ فما غاب عنا لا نصفه من عند أنفسنا، وما لم يخبرنا الله بكيفيته نؤمن به من غير تخيل ولا تكلف.
وقول الله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ﴾ يرسم صورةً من كمال أدب النبي ﷺ وثباته أمام تلك الآيات العظيمة. لم يلتفت بصره عما أُمر أن يراه، ولم يتجاوز الحد الذي أذن الله له فيه.
الهدية العظيمة: الصلاة
في تلك الليلة فُرضت الصلاة على أمة محمد ﷺ. وجاء في الحديث الصحيح أن الله فرض أولًا خمسين صلاة، فلما مر النبي ﷺ بموسى عليه السلام سأله عما فُرض على أمته، ثم أشار عليه أن يسأل ربه التخفيف؛ لأن الأمة لن تطيق هذا العدد.
فعاد النبي ﷺ يسأل ربه التخفيف، وتكرر ذلك حتى جعلها الله خمس صلوات في اليوم والليلة، وكتب لها أجر خمسين. وجاء في الحديث: «هي خمس وهي خمسون»؛ فالفعل خمس، والثواب بفضل الله خمسون.
لهذا ليست الصلاة عبادةً جاءت على هامش السيرة، بل كانت الهدية العظمى في رحلة المعراج. أكثر الفرائض نزل بها جبريل إلى الأرض، أما الصلاة ففُرضت في تلك الليلة المباركة، وفي هذا بيان لمكانتها في حياة المؤمن.
وحين نقف للصلاة، فنحن لا نؤدي حركات محفوظة فحسب؛ بل نقف بين يدي الله، نكبره ونقرأ كلامه ونركع ونسجد له. خمس صلوات موزعة على اليوم تعيد القلب كلما شغلته الدنيا، وتذكره بأن له ربًّا يسمع دعاءه ويرى حاله.
والتخفيف من خمسين إلى خمس لا يعني أن شأن الصلاة صار صغيرًا؛ فقد بقي أجر الخمسين، وبقيت الصلاة فرضًا لا يسقط عن المسلم البالغ العاقل إلا بعذر معتبر وفق أحكام الشريعة. إنها رحمة من الله وتكليف، وراحة للقلب ومسؤولية.
حين يأتي التثبيت بعد الشدة
في مكة كان النبي ﷺ يسمع كلمات التكذيب، وفي الطائف رأى أبوابًا تُغلق أمام دعوته، ثم رأى في هذه الرحلة من آيات الله ما لا تبلغه أوصاف البشر. وهذا لا يعني أن المحنة انتهت بعد عودته، لكنه يعني أن ضيق الأرض لا يحد قدرة الله.
قد يرى الإنسان في لحظة الشدة أن الأبواب أُغلقت، ولا يعلم ما يدبره الله بعد ذلك. وليس لنا أن نقيس كراماتنا على معجزة نبي؛ فالإسراء والمعراج خصوصية عظيمة لرسول الله ﷺ. لكننا نتعلم منها أن الله لا يترك عبده المؤمن، وأن بعد الصبر تثبيتًا، وأن ما يعجز عنه البشر لا يعجز رب العالمين.
عاد النبي ﷺ إلى مكة يحمل فريضة الصلاة، واستمر يدعو قومه ويعرض الإسلام على من يلقاه. وكانت المدينة التي ستفتح أبوابها للدعوة ما تزال بعيدة، لكن الله بدأ يهيئ في مواسم الحج قلوبًا ستسمع القرآن بطريقة مختلفة.
من هم الرجال الذين قدموا من يثرب فاستمعوا إلى رسول الله ﷺ؟ وكيف تحولت كلمات قليلة في موسم الحج إلى بداية طريق سيقود المسلمين إلى وطن جديد؟
نترك ذلك للفصل القادم، ونختم ليلتنا بالصلاة والسلام عليه:
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.