مَدارك — دليلك إلى طريق الإيمان
نَمْ على سيرة نبيّك الكريم ﷺ · الفصل الثالث عشر

رحمةٌ أوسع من ألم الطائف

قراءة هادئة موثّقة من السيرة النبوية

لم تكن مكة بعد وفاة أبي طالب وخديجة رضي الله عنها كما كانت قبل رحيلهما. فقد النبي ﷺ في وقت متقارب حماية عمه خارج البيت، وسكينة زوجته داخله، وازدادت قريش جرأةً على إيذائه. ومع ذلك، لم يكن حزنه سببًا في أن يتوقف عن الدعوة، ولم يجعل ضيق الطريق في مكة نهايةً للرسالة.

حين أغلقت مكة أبوابها، اتجه النبي ﷺ إلى مكان آخر، يبحث عمّن يسمع كلام الله ويمنحه فرصةً ليبلّغ ما أُرسل به. لم يخرج طالبًا مالًا ولا مكانة، ولم يكن يبحث عن راحة لنفسه؛ بل خرج يحمل همّ الدعوة، ويرجو أن يجد قلوبًا لا تحكم عليه قبل أن تسمعه.

الطريق إلى الطائف

كانت الطائف مدينة معروفة تسكنها ثقيف، ولها مكانتها بين العرب. وتذكر كتب السيرة أن النبي ﷺ خرج إليها بعد وفاة أبي طالب، يرجو أن تقبل ثقيف دعوته، وأن تمنعه من أذى قومه حتى يبلّغ رسالة ربه.

لا تنقل إلينا المصادر الصحيحة حديثًا طويلًا عما كان يدور في نفس النبي ﷺ في الطريق، ولذلك لا نخترع له خواطر أو كلمات لم يقلها. لكننا نتأمل في ظاهر الحدث: رجل فقد اثنين من أقرب الناس إليه، واشتد عليه أذى قومه، ثم لم يعتزل الناس ولم يترك رسالته، بل سار إلى قوم آخرين يدعوهم إلى الله.

كان بإمكان الألم أن يدفع الإنسان إلى الصمت، لكن النبي ﷺ اختار أن يواصل البلاغ. وهنا يظهر معنى الثبات: ليس الثابت من لا يحزن أو يتعب، وإنما من لا يسمح للحزن أن يصرفه عن طاعة الله.

دعوة لم تجد الاستجابة

ثبت في صحيحي البخاري ومسلم أن النبي ﷺ عرض نفسه على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، وهو من أهل المكانة في ثقيف، فلم يستجب له إلى ما أراد. هذا هو القدر الثابت في الحديث الصحيح: دعوة صادقة، ثم رفض شديد ترك في قلبه همًّا عظيمًا.

أما كتب السيرة فتذكر أنه قابل عددًا من أشراف ثقيف، وأنهم ردوا عليه بكلام مؤذٍ، ثم أغروا به سفهاءهم وصبيانهم، فرموه بالحجارة حتى أصابوه. وهذه التفاصيل مشهورة في كتب السيرة، لكنها ليست كلها في درجة الحديث الصحيح؛ لذلك نرويها بصفتها من أخبار السيرة، ولا نضيف إليها حوارًا أو وصفًا لم يثبت.

لم يكن الرفض مجرد اختلاف عابر. جاء النبي ﷺ يحمل إليهم أعظم خير، فلم يكتفوا بعدم الاستجابة، بل قابلوا دعوته بالأذى. ومع ذلك، لم ينقل عنه أنه سبّهم، أو دعا لنفسه بانتقام عاجل، أو ترك الدعوة بعد ما لقيه.

وحين نتعرض نحن لرد قاسٍ أو كلمة جارحة، قد تضيق صدورنا من موقف صغير. أما النبي ﷺ فقد اجتمع عليه الحزن والرفض والأذى، وبقي قلبه متعلقًا بهداية الناس، لا بالانتصار لنفسه.

يومٌ أشد من أُحد

بعد سنوات، سألت عائشة رضي الله عنها النبي ﷺ: هل مرّ عليه يوم كان أشد من يوم أُحد؟ كان يوم أُحد يومًا عظيمًا؛ جُرح فيه النبي ﷺ، واستُشهد من أصحابه من استُشهد. ومع ذلك، أجابها بأن أشد ما لقي من قومها كان يوم العقبة، حين عرض نفسه على ابن عبد ياليل فلم يجبه.

ثم أخبرها أنه انصرف وهو مهموم، فلم يستفق من شدة ما حمله من الحزن إلا وهو عند قرن الثعالب. كان قد ابتعد عن الطائف ومضى في طريقه، حتى رفع رأسه فرأى سحابة تظلله، وفيها جبريل عليه السلام.

أخبره جبريل أن الله قد سمع قول قومه له وردهم عليه، وأن الله أرسل إليه ملك الجبال ليأمره بما يشاء فيهم. ثم سلّم عليه ملك الجبال وعرض عليه أن يطبق عليهم الأخشبين، وهما جبلا مكة.

هنا بلغ الموقف لحظته الفاصلة. لقد أوذي النبي ﷺ، ورُفضت دعوته، وخرج يحمل همّه، ثم صار الانتقام من المؤذين ممكنًا بأمر من الله لو طلبه. لكن الرحمة التي امتلأ بها قلبه كانت أكبر من الألم.

قال ﷺ: «بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده».

لم ينظر النبي ﷺ إلى القوم بوصفهم أعداء انتهى أمرهم، بل نظر إلى أجيال لم تولد بعد. رفضوا دعوته في ذلك اليوم، لكنه رجا أن يأتي من ذريتهم من يؤمن بالله. لم تكن رحمته مقصورةً على من أحسن إليه، بل شملت حتى من آذاه حين بقي له أو لذريته بابٌ إلى الهداية.

وهنا يظهر الفرق بين العفو الناتج عن العجز والعفو الصادر عن الرحمة. لم يعفُ النبي ﷺ لأنه لم يستطع الرد، فقد كان ملك الجبال ينتظر أمره؛ وإنما اختار الأمل في هدايتهم حين كانت العقوبة ممكنة.

ماذا نتعلم من جوابه ﷺ؟

نتعلم أن الداعية لا يجعل كرامته الشخصية مقدمةً على هداية الناس. وقد يرفض الإنسان النصيحة اليوم ثم يعود إليها بعد سنوات، وقد لا يستجيب الأب ولكن يستجيب الابن، وقد تُغلق مدينة بابها ثم تصبح بعد زمن من مواطن الإيمان.

ونتعلم أيضًا أن الرحمة لا تعني إنكار الألم. قال النبي ﷺ إنه انصرف مهمومًا، فلم يخفِ ما أصابه، لكنه لم يجعل الهمّ قائدًا لقراره، ولم يسمح للجرح أن يحوله إلى طالب انتقام.

العودة إلى مكة

كانت العودة إلى مكة صعبة؛ فقد خرج منها النبي ﷺ بعد أن فقد حماية أبي طالب، ثم عاد إليها بعدما لم تقبل ثقيف دعوته. وتذكر كتب السيرة أنه دخل مكة في جوار المطعم بن عدي، الذي أعلن حمايته، وخرج مع أبنائه حتى دخل النبي ﷺ وطاف بالبيت وصلى ثم عاد إلى منزله.

ولم ينس النبي ﷺ هذا المعروف للمطعم، مع أنه لم يكن مسلمًا. فبعد معركة بدر قال النبي ﷺ في أسرى قريش إنه لو كان المطعم حيًّا وكلّمه في شأنهم لتركهم له، وهذا ثابت في صحيح البخاري.

عاد ﷺ إلى مكة، لكن عودته لم تكن رجوعًا إلى نقطة البداية. لقد كشف يوم الطائف عن رحمة عظيمة لم تطلب سحق المؤذين، بل انتظرت من ذريتهم من يقول: لا إله إلا الله.

ماذا جاء بعد رحلة الطائف؟ وكيف أكرم الله نبيه ﷺ بعد تلك الأيام الثقيلة؟ وما الرحلة العظيمة التي جاءت للمؤمنين بفريضة الصلاة؟

نترك ذلك للفصل القادم، ونختم ليلتنا بالصلاة والسلام عليه:

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.