انتهى الحصار، ومُزقت صحيفة الظلم، وخرج رسول الله ﷺ وأهله من الشِّعب. كان الخروج فرجًا بعد أعوام من التضييق، لكنه لم يكن بداية راحة طويلة؛ فقد كانت مكة ما تزال ترفض دعوته، وكانت قريش تنتظر أي ضعف يصيب الحماية التي أحاطت به.
ثم جاءت أيام حملت للنبي ﷺ فقدًا من نوع آخر؛ ليس جوعًا ولا مقاطعة، وإنما رحيل شخصين كان لكل واحد منهما مكان لا يعوضه أحد: عمه أبو طالب الذي وقف حاجزًا بينه وبين بطش قريش، وزوجته خديجة رضي الله عنها التي آمنت به وصدّقته وواسته منذ اللحظة الأولى.
الساعات الأخيرة في حياة أبي طالب
كان أبو طالب قد رعى محمدًا ﷺ منذ صغره، بعد وفاة جده عبد المطلب. كبر ابن أخيه أمام عينيه، ثم بعثه الله رسولًا، فظل أبو طالب يحميه بما له من مكانة بين قريش، ورفض أن يسلّمه إليها، حتى في سنوات الحصار القاسية.
لكن الحماية والقرابة شيء، والإيمان برسالة الله شيء آخر. وحين حضر أبا طالب الموت، دخل عليه رسول الله ﷺ يرجو له أعظم ما يمكن أن يرجوه إنسان لمن يحب: أن يختم حياته بالإيمان.
روى البخاري ومسلم عن المسيب بن حزن رضي الله عنه أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله ﷺ، وكان عنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية. فقال له النبي ﷺ:
«يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أشهد لك بها عند الله».
لكن الرجلين أخذا يذكرانه بدين عبد المطلب، وظل النبي ﷺ يعرض عليه كلمة التوحيد، وهما يعيدان عليه كلامهما، حتى كانت آخر كلماته أنه على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. وهذا خبر ثابت في الصحيحين، لا مجرد رواية من كتب السيرة.
كان أبو طالب قد نصر النبي ﷺ في الدنيا، وتحمل في سبيل حمايته عداء قومه والحصار معهم، لكنه لم يدخل في الإسلام. وفي ذلك درس عظيم: لا تكفي القرابة وحدها، ولا المواقف الدنيوية مهما عظمت، عن الإيمان بالله واتباع رسوله ﷺ.
وقال النبي ﷺ إنه سيستغفر لعمه ما لم يُنهَ عن ذلك، فأنزل الله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: 113].
وثبت في رواية صحيحة أن الله أنزل في شأنه أيضًا:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56].
لم يكن في حرص النبي ﷺ على هداية عمه ضعف، بل كان رحمة ووفاءً ورغبة في نجاته. لكنه ﷺ، مع كمال دعوته وصدق محبته، لا يملك أن يضع الإيمان في قلب أحد؛ فهداية التوفيق بيد الله وحده.
وهذا يعلّم الداعية ألا ييأس من دعوة من يحب، وأن يبذل النصيحة برفق حتى آخر فرصة، لكنه لا يحمل نفسه ما لا تطيق إذا لم يستجب المدعو. عليه البلاغ والدعاء والعمل الصالح، أما القلوب فبين يدي الله.
انكشاف الحماية في مكة
بوفاة أبي طالب فقد النبي ﷺ الحماية القبلية التي كانت تمنع كثيرًا من قريش من الاعتداء عليه مباشرة. وتذكر سيرة ابن إسحاق أن المشركين طمعوا في أذى رسول الله ﷺ بعد وفاة عمه بما لم يكونوا يستطيعونه في حياته.
كان أبو طالب لا يؤمن برسالة ابن أخيه، لكنه كان يعرف صدقه، ويرى حقه في الحماية، ويتمسك بصلة الرحم. فلما رحل، لم تفقد الدعوة رجلًا مسلمًا، لكنها فقدت سياجًا اجتماعيًا كان له أثر ظاهر في مكة.
وتفاصيل ازدياد أذى قريش بعد وفاته من أخبار كتب السيرة، وليست كلها في درجة الأحاديث الصحيحة؛ لذلك نثبت المعنى العام الذي رواه أهل السيرة، ولا نضيف مشاهد أو حوارات لا نعلم صحتها.
وبينما كان النبي ﷺ يواجه هذا التغير خارج بيته، كان ينتظره فقد آخر يمس قلبه وبيته وحياته الخاصة.
رحيل خديجة رضي الله عنها
تذكر كتب السيرة أن خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأبا طالب توفيا في عام واحد، بعد الخروج من الشِّعب. أما تحديد أيهما توفي أولًا، ومقدار المدة بين وفاتيهما، والشهر الذي وقع فيه ذلك، فقد اختلفت فيه الروايات؛ ولذلك لا نجزم هنا بترتيب أو تاريخ محدد.
لكن الذي لا خلاف فيه أن خديجة رضي الله عنها لم تكن زوجة عادية في حياة رسول الله ﷺ. لقد كانت أول من آمن به حين عاد من غار حراء وقلبه يرتجف من هول ما رأى. لم تتهمه، ولم تسخر مما أخبرها به، بل ذكّرته بصفاته الكريمة، وذهبت به إلى ورقة بن نوفل تسأل وتتحقق.
آمنت به حين كذبه الناس، وصدّقته حين اتهمه قومه، وواسته بنفسها ومالها، وعاشت معه سنوات الدعوة الأولى وما حملته من سخرية وأذى ومقاطعة. وكان بيتها للنبي ﷺ مكان سكينة بعد ما يلقاه خارجَه.
وقد ثبت فضلها في صحيح البخاري. أتى جبريل عليه السلام النبي ﷺ فقال له إن خديجة مقبلة بإناء فيه طعام أو شراب، وأمره إذا جاءت أن يقرأ عليها السلام من ربها ومن جبريل، ويبشرها ببيت في الجنة من قصب، «لا صخب فيه ولا نصب»؛ فلا ضجيج فيه ولا تعب.
تأمل هذه البشارة: امرأة جعلت بيتها في الدنيا مأوى للنبي ﷺ، وصبرت معه على تعب الطريق، يبشرها الله ببيت في الجنة لا تعب فيه. خدمت الدعوة بهدوء، ولم تقف تطلب ثناء الناس، فجاءها السلام من رب العالمين.
ثم رحلت خديجة رضي الله عنها، لكن ذكراها لم تغب عن النبي ﷺ. تقول عائشة رضي الله عنها إنها لم تغر من امرأة مثلما غارت من خديجة، مع أنها لم ترها؛ لكثرة ما كان النبي ﷺ يذكرها. وكان إذا ذبح الشاة أرسل منها إلى صديقات خديجة. والحديث ثابت في صحيح البخاري.
لم يكن وفاؤه لها كلمات عابرة، بل ظل يصل من كانت تحب بعد وفاتها. وهذا من جمال أخلاقه ﷺ: لا ينسى المعروف، ولا تنتهي المودة عند غياب أصحابها، ولا تمنعه الأيام الجديدة من حفظ فضل من وقف معه في الأيام الصعبة.
ما عُرف بعام الحزن
اشتهر عند أهل السيرة تسمية تلك المرحلة بـ«عام الحزن»؛ لا لأن هذا الاسم ورد في حديث صحيح عن النبي ﷺ، بل تعبيرًا عما اجتمع فيها من وفاة أبي طالب وخديجة رضي الله عنها، وازدياد أذى قريش بعد رحيلهما.
ونحن حين نقرأ عن حزن رسول الله ﷺ لا ينبغي أن نتصور أن الإيمان يلغي مشاعر الإنسان. الحزن على فراق الأحبة لا يناقض الصبر، والاشتياق لا يناقض الرضا بقضاء الله. إنما الصبر أن يبقى القلب متعلقًا بالله، وألا يقود الألم صاحبه إلى الاعتراض أو ترك الواجب.
فقد النبي ﷺ في مدة متقاربة حماية عمه خارج البيت، وسكينة زوجته داخله. ومع ذلك لم تتوقف الدعوة، ولم يترك رسالته، ولم يجعل الحزن نهاية الطريق. استمر يبلغ ما أنزل الله إليه، وهو يحمل ألم الفقد في قلبه.
لقد كان يستطيع أن ينظر إلى مكة فيرى الأبواب تضيق من حوله، لكنه كان يعلم أن رسالة الله أوسع من مدينة، وأن رفض قوم لا يعني انتهاء الدعوة. وحين اشتد أذى قريش ولم يجد في مكة من يمنحه حماية جديدة، بدأ يتجه ببصره إلى خارجها.
إلى أين ذهب رسول الله ﷺ باحثًا عمن يسمع دعوته؟ وكيف استقبله أهل الطائف؟ وماذا قال لربه حين عاد مثقلًا بالألم؟
نترك ذلك للفصل القادم، ونختم ليلتنا بالصلاة والسلام عليه:
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.