مَدارك — دليلك إلى طريق الإيمان
نَمْ على سيرة نبيّك الكريم ﷺ · الفصل الحادي عشر

سنوات الحصار وصحيفة الظلم

قراءة هادئة موثّقة من السيرة النبوية

لم تستطع قريش أن توقف الدعوة بالسخرية، ولم يُطفئ التعذيب نور الإيمان في قلوب المستضعفين، ولم تُعِد سفارتها المهاجرين من الحبشة. ثم أسلم حمزة وعمر رضي الله عنهما، فشعرت أن الأمر الذي حاولت احتواءه صار يتسع يومًا بعد يوم.

عندها انتقلت قريش إلى أسلوب أشد قسوة: إن لم تستطع إجبار محمد ﷺ على ترك دعوته، فإنها ستضغط على العائلة التي تحميه، وتقطع عنها أسباب الحياة حتى تُسلّمه إليها.

اجتمعت بطون من قريش، وتعاهدت على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب؛ فلا يبيعون لهم ولا يشترون منهم، ولا يتزوجون منهم ولا يزوجونهم، ولا يؤوونهم، حتى يسلّموا رسول الله ﷺ. وكتبوا ما اتفقوا عليه في صحيفة توكيدًا لعهدهم.

لم يكن أصل هذه المقاطعة خبرًا لا سند له؛ فقد ذكرها النبي ﷺ بعد سنوات، عندما عاد إلى مكة، فقال: «منزلنا غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على الكفر». والحديث في صحيح البخاري. وجاء في رواياته بيان أنهم تعاقدوا على مقاطعة بني هاشم ومنع المعاملة والمناكحة معهم حتى يسلّموا النبي ﷺ.

هكذا تحولت القرابة، التي كانت عند العرب موضع حماية وصلة، إلى وسيلة ضغط. أرادت قريش من بني هاشم وبني المطلب أن يختاروا بين ترك محمد ﷺ لها وبين العزلة والجوع. لكنهم، على اختلاف دينهم، لم يسلّموه. دخل أكثرهم مع أبي طالب في الشِّعب، وهو موضع بين جبال مكة عُرف بعد ذلك بشِعب أبي طالب، وبقي أبو لهب منحازًا إلى قريش كما تذكر كتب السيرة.

كان بين المحاصَرين من آمن برسول الله ﷺ، وكان بينهم من لم يؤمن به ولكنه رفض أن يسلّم رجلًا من أهله إلى من يريد به السوء. ولهذا لم تكن المقاطعة موجهة إلى المسلمين وحدهم، بل شملت بطنين كاملين بسبب حمايتهما للنبي ﷺ.

وتذكر كتب السيرة أن الحصار استمر نحو ثلاث سنوات. ثلاثة أعوام ليست ليلة عابرة ولا أيامًا قليلة يمكن احتمالها ثم نسيانها؛ إنها فصول تتعاقب، وأطفال يكبرون، وأجساد تحتاج كل يوم إلى الطعام، ونفوس تنتظر أن ينتهي الظلم.

ضُيّق على أهل الشِّعب في الأقوات والمعاملات، ولم يكن الطعام يصل إليهم إلا قليلًا أو خفية. ولا يلزم أن نضيف مشاهد متخيلة حتى نفهم قسوة ما وقع؛ فمجرد اجتماع أهل مكة على ألا يبيعوا لجماعة من الناس ولا يشتروا منهم، وألا يخالطوهم أو يزوجوهم، يكشف مقدار الشدة التي أُريدت بهم.

ومع ذلك لم يستطع الحصار أن ينتزع من رسول الله ﷺ كلمة يتراجع بها عن الحق. لم يعرض على قومه أن يترك بعض الرسالة مقابل أن يخففوا عن أهله، ولم يجعل جوع الأقربين ثمنًا للصمت عن التوحيد. ظل ثابتًا على ما بعثه الله به، وبقي الذين معه يواجهون الشدة بما استطاعوا من الصبر.

كان أبو طالب، وقد تقدمت به السن، قائمًا على حماية ابن أخيه. وتذكر كتب السيرة أنه كان شديد الخوف عليه من غدر قريش، حريصًا على ألا تصل إليه يد تؤذيه. لم يكن يملك أن يرفع الحصار، لكنه ظل متمسكًا بحمايته، رافضًا أن يسلّمه.

وكانت خديجة رضي الله عنها إلى جوار زوجها ﷺ في هذه المحنة. المرأة التي آمنت به منذ اللحظة الأولى، وواسته حين خاف بعد نزول الوحي، بقيت معه حين ضاقت الحياة وقل الطعام. لم تكن مكانتها ولا أموالها السابقة مانعةً لها من أن تشارك زوجها وأهله ما نزل بهم.

وفي خارج الشِّعب لم تكن قلوب أهل مكة كلها متشابهة. كان في قريش من رضي بالصحيفة، وكان فيها من كره ظلمها وإن لم يكن مسلمًا. وتذكر سيرة ابن إسحاق أن هشام بن عمرو كان يصل بني هاشم سرًّا، فيأتي في الليل ببعير محمّل بالطعام، ثم يتركه عند مدخل الشِّعب ليدخل إليهم. وهذه من أخبار السيرة وليست حديثًا في الصحيحين، لكنها تكشف أن الفطرة قد تدفع صاحبها إلى صلة الرحم ورفض الظلم، ولو كان يعيش بين قوم يؤيدونه.

ومضت الأيام، لكن الصحيفة لم تستطع أن تجعل الباطل حقًّا. فالظلم قد يكتسب قوةً حين يتفق عليه كثيرون، لكنه لا يكتسب بذلك عدلًا. وقد يسكت الناس عنه خوفًا أو مجاراةً، ثم يبدأ تغييره حين يرفض إنسان واحد أن يبقى ساكتًا.

كان هشام بن عمرو من الذين تحركوا لنقض الصحيفة. لم يكتفِ بما يقدمه خفية، بل ذهب إلى رجال من قريش يحرك فيهم صلة الرحم ويدعوهم إلى إنهاء المقاطعة. بدأ بزهير بن أبي أمية، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فذكّره بأن أخواله محاصرون بينما هو يأكل ويلبس ويعيش بين أهله.

لم يرغب زهير في أن يقف وحده، فأخبره هشام بأنه سيكون معه. ثم توسعت الدائرة، فانضم إليهما المطعم بن عدي، وأبو البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود. صاروا خمسة رجال اتفقوا على مواجهة الصحيفة علنًا.

وفي صباح اليوم الذي اختاروه، تكلم زهير عند الكعبة، مستنكرًا أن يأكل أهل مكة ويلبسوا بينما بنو هاشم لا يُباع لهم ولا يُشترى منهم. أعلن أنه لن يرضى حتى تُمزق الصحيفة. اعترض أبو جهل، لكن الرجال الذين اتفقوا ليلًا قاموا واحدًا بعد الآخر يؤيدون نقضها. أدرك أبو جهل أن الأمر لم يكن موقفًا عابرًا، بل اتفاقًا سابقًا على إنهاء الظلم.

هذه التفاصيل وردت في كتب السيرة، وعلى رأسها رواية ابن إسحاق التي نقلها ابن هشام، وليست حديثًا مسندًا في صحيح البخاري أو مسلم؛ ولذلك نوردها بصفتها من أخبار السيرة، من غير أن نضيف إلى حواراتها أو نجزم بما وراء ما نقلته المصادر.

وتذكر كتب السيرة كذلك أن الأرضة أكلت ما في الصحيفة من عبارات الظلم والقطيعة، وبقي فيها ذكر الله، وأن النبي ﷺ أخبر عمه بذلك. وهذا خبر مشهور في كتب السيرة ودلائل النبوة، لكنه ليس ضمن الحديث الصحيح الذي أثبت أصل التعاهد والمقاطعة؛ لذا لا نجعل ثبوت الحصار متوقفًا عليه، ولا نسويه في درجته بحديث البخاري.

نُقضت الصحيفة أخيرًا، وخرج رسول الله ﷺ ومن معه من الشِّعب. انتهى الحصار، لكن آثاره لم تكن تزول بمجرد الخروج. فقد مرت أعوام من الجوع والضغط والعزلة، تحملها النبي ﷺ وأهله من غير أن يسلّموه، وتحملها المؤمنون من غير أن يتخلوا عن دينهم.

وفي هذه السنوات نتعلم أن الثبات لا يعني ألا يشعر الإنسان بالتعب، بل أن يبقى على الحق وهو متعب. ونتعلم أن مقاومة الظلم قد تبدأ بموقف صغير: طعام يصل إلى محاصَر خفية، أو كلمة يقولها إنسان حين يختار الآخرون الصمت، ثم تجتمع الكلمات حتى تسقط صحيفةٌ ظالمة.

لكن خروج النبي ﷺ من الشِّعب لم يكن بداية راحة طويلة. فما هي إلا مدة حتى أصابه فقدان عظيم؛ سيرحل عمه أبو طالب، ثم تفقد مكة خديجة رضي الله عنها، الزوجة الصادقة والرفيقة التي آمنت به وواسته.

كيف واجه رسول الله ﷺ رحيل اثنين من أعظم من وقفوا إلى جواره؟ ولماذا عُرفت تلك المرحلة بعام الحزن؟

نترك ذلك للفصل القادم، ونختم ليلتنا بالصلاة والسلام عليه:

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.