مَدارك — دليلك إلى طريق الإيمان
نَمْ على سيرة نبيّك الكريم ﷺ · الفصل العاشر

حين انضمّت القوة إلى الإيمان

قراءة هادئة موثّقة من السيرة النبوية

بينما وجد المهاجرون في الحبشة أرضًا يأمنون فيها على دينهم، بقي رسول الله ﷺ في مكة يحمل الدعوة وسط المعارضة. لم تتوقف قريش عن أذاه، ولم تتراجع عن الضغط على من آمن به، لكن الدعوة التي ظنوا أنهم يستطيعون حصرها بين المستضعفين بدأت تدخل قلوب رجالٍ عُرفوا بالقوة والمكانة.

لم يكن الإسلام محتاجًا إلى قوة أحد؛ فالله ناصر دينه. لكن الله يختار من عباده من يجعل قوته نصرةً للحق بعد أن كانت بعيدةً عنه. وفي تلك المرحلة أسلم رجلان كان لإسلامهما أثر ظاهر في نفوس المؤمنين: حمزة بن عبد المطلب، ثم عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.

كان حمزة عمَّ رسول الله ﷺ وأخاه من الرضاعة، وكان عزيزًا في قريش، معروفًا بالشجاعة وقوة الشكيمة. وتروي سيرة ابن إسحاق برواية ابن هشام أن أبا جهل اعترض النبي ﷺ عند الصفا، فآذاه وسبّه، ورسول الله ﷺ لا يجيبه.

لم يكن حمزة حاضرًا، فقد كان خارج مكة في الصيد. فلما عاد، أخبرته امرأة شهدت ما وقع بما صنع أبو جهل بابن أخيه. اشتد غضبه، فاتجه إلى المسجد الحرام حيث كان أبو جهل جالسًا بين رجال قريش، فضربه بقوسه وقال إنه على دين محمد ﷺ.

هذه التفاصيل من أخبار السيرة وليست حديثًا ثابتًا في الصحيحين؛ ولذلك لا نجزم بكل ما زاد عليها. لكن كتب السيرة تتفق على أن تلك الحادثة كانت سببًا ظاهرًا في إعلان حمزة إسلامه، وأنه ثبت بعد ذلك على الإيمان ونصر رسول الله ﷺ.

قد تبدأ الهداية من موقف يهز القلب، لكن الإيمان لا يستقر بالغضب وحده. لقد انتقل حمزة رضي الله عنه من حمية القريب لابن أخيه إلى اليقين برسالته، فصار محمد ﷺ عنده رسول الله الذي يتبعه، لا مجرد قريب يدافع عنه.

وكان لإسلامه أثر في مكة؛ فقد علمت قريش أن النبي ﷺ أصبح له نصير قوي من بني هاشم، وأن الاعتداء عليه لم يعد أمرًا يمر بلا حساب. لم ينته الأذى، ولم تتحول مكة إلى أرض آمنة، لكن المؤمنين شعروا أن رجلًا قويًا اختار أن يقف معهم، لا طلبًا لمالٍ ولا خوفًا من أحد، وإنما إيمانًا بالله ورسوله.

وفي الجهة الأخرى كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يزال على دين قومه. كان شديدًا على المسلمين قبل إسلامه، وقد ثبت في صحيح البخاري قول سعيد بن زيد رضي الله عنه إنه رأى نفسه موثقًا على الإسلام من عمر قبل أن يسلم عمر. هذه الرواية الصحيحة تبيّن مقدار التحول الذي سيقع: الرجل الذي كان يضغط على بعض المؤمنين سيصبح واحدًا من أعظم أنصارهم.

وقد دعا النبي ﷺ ربه أن يعز الإسلام بأحد رجلين قويين من قريش. روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب»، وذكر الترمذي أنه حديث حسن صحيح، فكان عمر رضي الله عنه أحبَّهما إلى الله.

أما القصة التفصيلية المشهورة لإسلام عمر، فتذكر كتب السيرة أنه خرج يومًا يريد الوصول إلى رسول الله ﷺ، ثم علم أن أخته فاطمة بنت الخطاب وزوجها سعيد بن زيد قد أسلما. فتوجه إليهما، وكان عندهما خباب بن الأرت رضي الله عنه يقرئهما القرآن.

وتذكر الرواية أنه سمع شيئًا من القراءة، ثم وقع بينه وبين أهل البيت ما وقع، حتى رأى أثر الشدة على أخته، فهدأ وطلب أن يقرأ الصحيفة التي كانت عندهما. وكان فيها صدر سورة طه:

﴿طه ۝ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ۝ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى ۝ تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ [طه: 1–4].

فلما قرأها تأثر بما فيها، ثم طلب أن يُدلَّ على رسول الله ﷺ.

هذه القصة مشهورة في سيرة ابن إسحاق، لكنها ليست في صحيح البخاري أو مسلم، وفي أسانيد تفاصيلها كلام عند أهل الحديث؛ لذلك نرويها بوصفها من أخبار السيرة، ولا نبني عليها وحدها ثبوت إسلام عمر. أما أصل إسلامه، وأثره، وما وقع عند بيته بعد ظهوره، فثابت في صحيح البخاري.

مضى عمر رضي الله عنه إلى المكان الذي كان النبي ﷺ يجتمع فيه بأصحابه. وتذكر السيرة أنه أعلن هناك إسلامه بين يدي رسول الله ﷺ. لم يعد الرجل الذي كان المسلمون يخشون شدته خصمًا لهم، بل صار أخًا يقف في صفهم.

وما أعظم قدرة الله على تقليب القلوب. قد يرى الإنسان شخصًا بعيدًا عن الحق، فيظن أن باب الهداية أُغلق دونه، لكن القلوب بين يدي الله. لم يكن المسلمون يملكون أن يغيّروا قلب عمر، ولم تكن قوتهم هي التي أتت به؛ إنما كان دعاء النبي ﷺ، ثم تقدير الله وهدايته.

وانتشر خبر إسلامه في مكة سريعًا. وثبت في صحيح البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يومئذ غلامًا فوق سطح البيت، فرأى الناس قد اجتمعوا حول دار أبيه وهم يقولون: «صبأ عمر»، أي ترك دين قومه. وجاء العاص بن وائل، وكان ذا مكانة في قريش، فأعلن أن عمر في جواره وحمايته، فتفرّق الناس عنه.

تكشف هذه الرواية الصحيحة صورة واقعية عن مكة في ذلك الزمن. فعلى الرغم من قوة عمر، اجتمع الناس عند بيته حين علموا بإسلامه، واحتاج في تلك اللحظة إلى حمايةٍ يقرّ بها نظام القبيلة. لم يكن المسلم، مهما بلغت شجاعته، يعيش خارج واقع مجتمعه، ولم تكن الشجاعة تعني غياب الخوف أو الخطر.

لكن عمر رضي الله عنه لم يرد أن يبقى إسلامه خبرًا خفيًا. كان قوي الشخصية، واضح الموقف، وحين دخل الإيمان قلبه تحولت شدته إلى ثبات في نصرة الدين. وقد لخّص عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أثر إسلامه بكلمات قليلة ثابتة في صحيح البخاري فقال: «ما زلنا أعزّةً منذ أسلم عمر».

لا تعني هذه العبارة أن الأذى توقف تمامًا، أو أن المؤمنين أصبحوا أصحاب السلطان في مكة. فما زالت قريش أكثر عددًا ومالًا، وما زال الضعفاء يتعرضون للظلم. لكنها تعني أن ميزانًا نفسيًا واجتماعيًا قد تغير؛ فقد دخل الإسلام رجل لا يخفي موقفه، ولا يسهل على قومه تجاهل مكانته.

وبإسلام حمزة وعمر رضي الله عنهما تعلّم المؤمنون معنى آخر من معاني النصر. فالنصر لا يأتي دائمًا بانتهاء المحنة فورًا، بل قد يأتي بتثبيت القلوب، أو بانضمام نصير صادق، أو بتحول إنسان كان بعيدًا عن الحق إلى واحد من أشد المدافعين عنه.

وفي ذلك درس لنا: لا نحكم على خاتمة الإنسان من بدايته. فقد يكون اليوم غافلًا، ثم يصبح غدًا من أهل الطاعة. وقد يستعمل قوته في غير الحق، ثم يهديه الله فيجعل القوة نفسها نصرةً للمظلوم وخدمةً للدين. والهداية نعمة من الله، ولذلك لا نيأس من أحد، ولا نغتر بأنفسنا، بل نسأله سبحانه الثبات وحسن الخاتمة.

كان دخول حمزة وعمر في الإسلام فرجًا للمؤمنين، لكنه لم يجعل قريشًا تتراجع. على العكس، رأت أن الدعوة تتسع، وأن رجالًا من أشد أهل مكة بأسًا أصبحوا من أتباع محمد ﷺ. وحين فشلت السخرية، وفشل الأذى، ولم تنجح محاولة استعادة المهاجرين من الحبشة، بدأت قريش تفكر في وسيلة أشد قسوة.

ستجتمع بطون منها على مقاطعة بني هاشم ومن وقف مع النبي ﷺ، وسيُحاصر رجال ونساء وأطفال في شِعبٍ ضيق، تُمنع عنهم التجارة والطعام والمخالطة.

كيف عاش رسول الله ﷺ وأهله تلك السنوات القاسية؟ وكيف انتهت صحيفة الظلم؟

نترك ذلك للفصل القادم، ونختم ليلتنا بالصلاة والسلام عليه:

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.