حين اشتد الأذى في مكة، لم يكن جميع المؤمنين قادرين على الاحتمال بالقدر نفسه. فيهم من تحميه عشيرته، وفيهم الضعيف الذي لا يجد من يدفع عنه. لذلك أذن النبي ﷺ لبعض أصحابه أن يخرجوا من البلد الذي يحبونه إلى أرض لم يعرفوها، حفظًا لدينهم.
تذكر كتب السيرة أن وجهتهم كانت الحبشة، وأن النبي ﷺ وصف ملكها بأنه ملك لا يُظلم عنده أحد. لم تكن الهجرة بحثًا عن مال أو رفاه، بل انتقالًا اضطراريًا من موطن الأهل إلى جوار حاكم يُرجى عنده العدل.
فراق مكة
خرجت جماعة من المسلمين سرًا، ثم تبعتها جماعة أكبر. واختلف أهل السيرة في بعض الأعداد والتفاصيل، فلا نجعلها محور الفصل. الثابت في أصل القصة أن مسلمين هاجروا إلى الحبشة، وأن من بينهم عثمان بن عفان وزوجته رقية بنت رسول الله ﷺ، ثم كان جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من أبرز من أقام هناك.
تخيل معنى أن يترك الإنسان بيته وقرابته ولغته المألوفة لأنه يريد أن يعبد الله آمنًا. لا ننسب إلى المهاجرين حوارًا لم يثبت، لكن ظاهر العمل يكفي لبيان التضحية: حملوا إيمانهم وعبروا البحر، بينما بقي النبي ﷺ في مكة يواصل الدعوة.
قريش تطلب إعادتهم
لم ترض قريش أن يجد المسلمون مأمنًا. وتذكر روايات السيرة أنها أرسلت رجلين بهدايا إلى النجاشي وبطارقته، يطلبان تسليم المهاجرين بحجة أنهم فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دين أهل الحبشة.
كان الموقف دقيقًا: غرباء قليلون أمام ملك، وخصومهم جاءوا يتحدثون باسم مكة ويحملون الهدايا. لكن النجاشي لم يحكم عليهم قبل أن يسمع منهم. وهذه أول صورة مضيئة في القصة: العدل يبدأ بالسماع من الطرفين.
كلمة جعفر رضي الله عنه
تقدم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يتكلم عن المسلمين. نقلت كتب السيرة ومسند الإمام أحمد خطابه، فشرح حال قومه قبل الإسلام، ثم ذكر أن الله بعث إليهم رسولًا يعرفون نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعاهم إلى توحيد الله، وأمرهم بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء.
ثم بيّن أنهم صدقوه واتبعوه، فعدا عليهم قومهم وعذبوهم وفتنوهم عن دينهم، فلما ضُيق عليهم خرجوا إلى بلاد النجاشي، واختاروا جواره ورجوا ألا يُظلموا عنده.
لم يقدم جعفر الإسلام على أنه رابطة قبلية جديدة، بل وصف ما غيّره في العقيدة والأخلاق. بدأ بالتوحيد، ثم الصدق والأمانة والرحم والجوار. كان دفاعه عن إيمانه وصفًا لطريق يصلح الإنسان والمجتمع.
آيات مريم أمام الملك
طلب النجاشي أن يسمع شيئًا مما جاء به النبي ﷺ، فتلا جعفر صدرًا من سورة مريم، وفيها خبر زكريا ويحيى ومريم وعيسى عليهم السلام. تذكر الروايات أن النجاشي تأثر بما سمع، ورأى أن ما جاء به عيسى وما تلاه جعفر يخرج من أصل واحد، ثم رفض أن يسلم المسلمين إلى رسل قريش.
وفي اليوم التالي حاول وفد قريش إثارة قضية قول المسلمين في عيسى عليه السلام. فكان جواب جعفر أنهم يقولون فيه ما جاء به نبيهم: عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. فثبت النجاشي على حمايتهم.
نروي هذه التفاصيل بوصفها من روايات السيرة المسندة، مع العلم أن طرقها ليست كلها في درجة الصحيحين. ويقوي أصل مكانة النجاشي وإسلامه ما ثبت أن النبي ﷺ نعاه لأصحابه يوم مات، وخرج بهم إلى المصلى فصلى عليه صلاة الغائب.
أمان بعيد وألم قريب
وجد المهاجرون في الحبشة مساحة يعبدون الله فيها، لكن الهجرة لم تكن نهاية المشقة. ظلوا بعيدين عن النبي ﷺ وعن أهليهم، ووصلتهم أخبار مكة بما فيها من صدق وشائعة. وعاد بعضهم حين ظن أن الحال قد تغير، ثم وجدوا الأذى قائمًا، فخرج آخرون مرة أخرى.
تعلمنا هجرة الحبشة أن حفظ الدين قد يحتاج إلى تغيير المكان، وأن المسلم يقبل عدل غير المسلم ولا يجحد معروفه. كما تعلمنا أن القوة ليست دائمًا في المواجهة المباشرة؛ فقد تكون الحكمة أحيانًا في الانتقال المؤقت إلى موضع آمن يحفظ الإنسان فيه إيمانه ونفسه.
مكة تتغير
في مكة بقي النبي ﷺ ومن معه يواجهون الضغط. لكن أحداثًا جديدة كانت تقترب: رجلان عُرفا بالقوة والمكانة سيدخلان في الإسلام، وسيشعر المسلمون أن الدعوة لم تعد كما كانت قبل ذلك.
من هما؟ وكيف أثّر إسلامهما في الجماعة المؤمنة؟ نترك ذلك للفصل القادم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.