خرج نداء الصفا واضحًا، وعرفت قريش أن محمدًا ﷺ لا يدعو إلى إصلاح جزئي يترك عقائدها كما هي، بل يدعوها إلى عبادة الله وحده. وما إن صار القرآن يُتلى على الناس، ويكشف بطلان الشرك والظلم، حتى تحولت الدهشة إلى مقاومة، ثم صار بعض تلك المقاومة أذىً مباشرًا.
كان المستضعفون من المؤمنين أشد الناس تعرضًا للضغط؛ لأنهم لا يملكون قبيلة قوية تدفع عنهم. أما النبي ﷺ فكان عمه أبو طالب يحوطه ويحميه، مع بقائه على دين قومه. وتذكر كتب السيرة أن زعماء قريش ذهبوا إلى أبي طالب أكثر من مرة يطلبون منه أن يكف ابن أخيه أو يسلّمه إليهم، لكنه أبى أن يخذله.
ثبات بلا مساومة
تروي السيرة كلمات مشهورة في ثبات النبي ﷺ أمام ضغط قومه، لكن أسانيد بعض ألفاظها ليست في قوة أحاديث الصحيحين؛ لذلك لا نبني الفصل على عبارة واحدة، بل على الحقيقة التي تشهد لها السيرة كلها: أنه مضى يبلغ ما أنزل الله، ولم يبع رسالته بأمن شخصي أو مكانة.
لم يكن ﷺ يطلب الخصومة لذاتها، ولم يأمر أصحابه بالفوضى أو الانتقام. كان يتلو القرآن، ويدعو بالحكمة، ويصبر على ما يلقاه. لكن قريشًا رأت في التوحيد إسقاطًا لسلطان الأصنام والعادات التي ورثتها، فاشتد إنكارها.
أذى عند الكعبة
ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ كان يصلي عند الكعبة، فجاء بعض المشركين فوضعوا عليه أذىً وهو ساجد، وبقي حتى جاءت فاطمة رضي الله عنها فأزالته عنه. ثم دعا عليهم بأسمائهم.
لا يحتاج هذا المشهد إلى زيادة. رجل ساجد لربه، وقوم يحولون عبادته إلى موضع سخرية وأذى، وفتاة تأتي لتدفع عن أبيها. ومع ذلك لم يتوقف ﷺ عن الصلاة في المسجد الحرام، ولم ينصرف عن الدعوة.
وثبت أيضًا أن عقبة بن أبي معيط خنق النبي ﷺ بثوبه وهو يصلي، فجاء أبو بكر رضي الله عنه يدفعه عنه ويقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ كان المؤمنون قلة، لكن الإيمان جعلهم يقفون للحق بما يستطيعون.
شكوى خباب ووعد المستقبل
اشتد البلاء على بعض الصحابة حتى جاء خباب بن الأرت رضي الله عنه إلى النبي ﷺ وهو متوسد بردة في ظل الكعبة، فطلبوا منه أن يستنصر لهم ويدعو الله. لم يوبخهم على الألم، لكنه ذكّرهم بمن سبق من المؤمنين الذين تحملوا عذابًا شديدًا ولم يتركوا دينهم.
ثم أقسم أن الله سيتم هذا الأمر حتى يسير الراكب آمنًا، لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، وقال لهم إنهم يستعجلون. والحديث في صحيح البخاري.
لم يكن وعده تجاهلًا لمعاناتهم؛ بل وضعها في طريق أطول من لحظتهم. كانوا يرون مكة تضيق بهم، والنبي ﷺ يرى بوعد الله يومًا ينتشر فيه الأمن والدين. وبين الألم والوعد كان المطلوب صبرًا لا يعني السكون عن كل سبب، بل الثبات وعدم الرجوع عن الحق.
ابتلاء لا يطفئ الرحمة
قد يحول الأذى الإنسان إلى نسخة من مؤذيه، لكن النبي ﷺ بقي يدعو قومه ويرجو هدايتهم. لم تكن الرحمة ضعفًا، كما لم يكن الصبر قبولًا بالباطل. ظل يعلن التوحيد، ويكشف الخطأ، ويحفظ في الوقت نفسه ميزان الأخلاق.
وتعلم الصحابة أن الإيمان لا يقاس بسهولة الطريق. بعضهم كان ذا عشيرة تحميه، وبعضهم كان مملوكًا أو ضعيفًا، لكنهم اجتمعوا على كلمة واحدة. وحين صار البقاء في مكة يهدد دين بعضهم، لم يأمرهم النبي ﷺ أن يلقوا بأنفسهم إلى الهلاك؛ بل فتح لهم بابًا جديدًا.
باب وراء البحر
كان وراء البحر ملك لا يُظلم عنده أحد. وتذكر كتب السيرة أن النبي ﷺ أذن لطائفة من أصحابه بالهجرة إلى أرض الحبشة، يطلبون الأمان على دينهم. كانت تلك أول هجرة في الإسلام: فراق للبيت والبلد، لا طلبًا لدنيا أوسع، بل حفاظًا على الإيمان.
كيف خرجوا؟ وماذا قال جعفر بن أبي طالب أمام النجاشي حين حاولت قريش إعادتهم؟ ذلك ما نقرؤه في الفصل القادم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.