مَدارك — دليلك إلى طريق الإيمان
نَمْ على سيرة نبيّك الكريم ﷺ · الفصل السابع

من البيت المؤمن إلى نداء الصفا

قراءة هادئة موثّقة من السيرة النبوية

بعد الليلة التي عاد فيها رسول الله ﷺ من غار حراء، لم تعد مكة في نظره كما كانت قبلها. فقد عرف أن الذي لقيه هو جبريل عليه السلام، وأن الكلمات التي سمعها ليست خاطرًا عابرًا، بل بداية وحيٍ من الله. ثم توقّف الوحي مدةً شاءها الله، قبل أن يعود النداء حاملًا أمرًا واضحًا: لم تعد المرحلة خلوةً وتأملًا فحسب؛ لقد بدأ زمن البلاغ.

يروي جابر بن عبد الله رضي الله عنه في حديث صحيح أن النبي ﷺ رأى المَلَك الذي جاءه في حراء، ففزع ورجع إلى أهله وطلب أن يُغطّى، فأنزل الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ۝ قُمْ فَأَنذِرْ ۝ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ۝ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ ۝ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ۝ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ ۝ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾.

ويذكر الحديث أنه بعد ذلك تتابع الوحي. وهذه البداية ثابتة في صحيح البخاري: أمرٌ بالقيام، والإنذار، وتعظيم الله، والطهارة، وهجر عبادة الأصنام، والصبر لله. كانت الكلمات قليلة، لكن المهمة التي حملتها عظيمة. لم يُدعَ النبي ﷺ إلى طلب مكانة بين قومه، ولا إلى جمع المال أو بناء زعامة؛ بل أُمر أن يدعو الناس إلى ربهم.

وكان أول من وجد إلى جواره في هذا الطريق خديجة بنت خويلد رضي الله عنها.

تذكر سيرة ابن إسحاق، كما رواها ابن هشام، أن خديجة رضي الله عنها آمنت به وصدّقت بما جاءه من الله، وساندته في أمره، وكانت أول من آمن برسالته. وهذه المعلومة من كتب السيرة؛ لذلك نذكر مصدرها ولا نقدمها على أنها نص حديث في الصحيحين. وهي تتفق مع الموقف الذي ثبت في حديث بدء الوحي: فقد صدقته خديجة منذ رجوعه من حراء، وطمأنته، ثم ذهبت معه إلى ورقة بن نوفل.

لم يبدأ الإسلام في قصر ولا بين أصحاب النفوذ، بل بدأ في بيت. زوجٌ يحمل أمانة الوحي، وزوجة تعرف صدقه وأخلاقه، فتؤمن به وتقف معه. قبل أن يسمع أهل مكة الدعوة، كان في بيت النبي ﷺ قلبٌ قد استقبلها بالتصديق. ولم تكن نصرة خديجة كلمةً قيلت في ليلة ثم انتهت؛ بل بقيت إلى جواره، تثبته وتخفف عنه حين يلقى من الناس ما يكره، كما تصف كتب السيرة.

ثم بدأت دائرة المؤمنين تتسع بهدوء.

تذكر كتب السيرة أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان من أوائل من آمن، وكان يومئذٍ فتى يعيش في بيت النبي ﷺ. كما تذكر سبق زيد بن حارثة رضي الله عنه، وسبق أبي بكر الصديق رضي الله عنه من الرجال الأحرار. وقد اختلفت عبارات العلماء في ترتيب «أول من أسلم» إذا أُطلق القول دون تفصيل؛ لذلك كان من أجمع ما قيل: خديجة أول النساء، وعلي من الصبيان، وزيد من الموالي، وأبو بكر من الرجال الأحرار رضي الله عنهم أجمعين.

وبهذا نتجنب جدل الترتيب، ونحفظ المعنى الأهم: أن هؤلاء كانوا في مقدمة من صدّق النبي ﷺ حين كانت الدعوة لا تزال في بدايتها، ولم يكن وراء الإيمان بها مالٌ يُطلب ولا نصرٌ ظاهر ينتظرونه. كان أمامهم خبر السماء، وصدق الرجل الذي عرفوه، وطريقٌ لم تتبين لهم بعد مشقاته كلها.

كان أبو بكر رضي الله عنه معروفًا في قريش، محبوبًا في قومه، عالمًا بأنسابهم، حسن المعاملة لهم. وتذكر سيرة ابن هشام أنه دعا من يثق بهم إلى الإسلام، فأسلم بدعوته عدد من السابقين، منهم عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله رضي الله عنهم.

لم يجمعهم عمر واحد ولا بيت واحد؛ فمنهم الشاب، ومنهم التاجر، ومنهم صاحب القرابة والمكانة. لكنهم اجتمعوا على الإيمان بالله وتصديق رسوله ﷺ. وكان كل واحد منهم يفتح بإسلامه بابًا جديدًا للدعوة: باب الصداقة، أو القرابة، أو المعرفة القديمة. هكذا انتقل النور في أيامه الأولى من قلب إلى قلب، ومن شخص موثوق إلى آخر، بعيدًا عن الضجيج والاستعراض.

ولا تخبرنا الأحاديث الصحيحة بتفاصيل كل لقاءٍ دعا فيه النبي ﷺ واحدًا من هؤلاء، ولا بالكلمات الكاملة التي دارت بينهم؛ لذلك لا نضع على ألسنتهم حوارات من عندنا. وتبقى الأسماء وترتيب إسلام كثير منهم من أخبار كتب السيرة، لا من حديث واحد صحيح يجمع تفاصيل تلك الأيام.

كانت الدعوة في بدايتها فرديةً هادئة. يجتمع المؤمنون ليتعلموا ما نزل من القرآن، ويتلقوا من رسول الله ﷺ معاني التوحيد والعبادة. لم تكن الصلوات الخمس بهيئتها وأوقاتها المعروفة قد فُرضت بعد؛ فقد كان ذلك لاحقًا في حادثة الإسراء والمعراج. أما أصل الصلاة والعبادة فكان حاضرًا في حياة المسلمين الأوائل، لكن الروايات التي تصف كل تفاصيلها في الأيام الأولى ليست في درجة واحدة من الثبوت، ولهذا لا نجزم إلا بما قام عليه الدليل.

لنتوقف قليلًا عند هؤلاء السابقين.

نحن نقرأ أسماءهم اليوم وقد عرفنا ما صاروا إليه من الفضل والمكانة، لكنهم حين آمنوا لم يكونوا يقرؤون نهاية الطريق. لم يكونوا يعلمون تفاصيل ما سيقع من أذى وهجرة وحصار، ولا متى يأتي النصر. لقد صدقوا في البداية، حين كان عدد المؤمنين قليلًا والطريق مجهولًا عند الناس.

وفي هذا درس هادئ لمن يقرأ السيرة قبل نومه: ليست قيمة الموقف دائمًا في عدد من يراه. قد تبدأ أعظم الأعمال بكلمة صادقة في بيت، أو نصيحة بين صديقين، أو ثبات لا يعلم به جمهور واسع. لم تكن قلة العدد دليلًا على ضعف الحق، كما أن كثرة الرافضين لم تجعل الباطل صوابًا.

ومضت الدعوة تتسع، حتى جاء الأمر الإلهي:

﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾.

عندها انتقلت الدعوة إلى مشهد علني ثابت في الحديث الصحيح. صعد رسول الله ﷺ على الصفا، ونادى بطون قريش حتى اجتمعوا. ثم سألهم: لو أخبرهم أن خيلًا وراء الوادي تريد أن تغير عليهم، أكانوا يصدقونه؟ فأجابوا بأنهم لم يجربوا عليه كذبًا. عند ذلك أعلن لهم أنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد.

كانت شهادتهم بصدقه تسبق رفض بعضهم لدعوته: «ما جرّبنا عليك إلا صدقًا». الرجل الذي دعاهم إلى الله هو نفسه الذي عرفوه أمينًا صادقًا قبل النبوة. لم يتغير صدقه؛ لكن الرسالة وضعتهم أمام اختيار لم يكن سهلًا على من تعلّق بما ورثه من قومه.

وفي ذلك الجمع جاء أول ردٍ علني شديد من أبي لهب، فنزلت سورة المسد. وهنا بدأت مرحلة جديدة: خرجت الدعوة من المجالس الصغيرة إلى أسماع قريش، وظهر أن الطريق لن يكون خاليًا من الأذى والمواجهة.

نطوي هذه الليلة عند جبل الصفا: نبيٌّ ﷺ ينادي قومه بعدما شهدوا له بالصدق، ومؤمنون قليلون يقفون في بداية طريق طويل. لقد بدأ الإيمان في بيت خديجة رضي الله عنها، ثم انتقل إلى القلوب القريبة، ثم ارتفع النداء ليسمعه أهل مكة.

فكيف استقبلت قريش الدعوة بعد ذلك؟ ولماذا اشتد اعتراضها، وهي التي كانت تعرف صدق النبي ﷺ وأمانته؟

نترك ذلك للفصل القادم، ونختم بالصلاة والسلام عليه:

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.