مَدارك — دليلك إلى طريق الإيمان
نَمْ على سيرة نبيّك الكريم ﷺ · الفصل السادس

الليلة التي بدأ فيها الوحي

قراءة هادئة موثّقة من السيرة النبوية

بعد أن اكتمل بناء الكعبة وعاد الحجر الأسود إلى موضعه، مضت سنوات من حياة محمد ﷺ في مكة. ظل معروفًا بين قومه بالصدق والأمانة، يعيش مع خديجة رضي الله عنها، ويرى ما عليه الناس من أحوال. لكن مرحلة جديدة كانت تقترب؛ مرحلة لن تغيّر حياته وحدها، بل ستمتد آثارها إلى العالم كله.

لم تبدأ النبوة أمام جمع من الناس، ولا في سوق مزدحم، بل بدأت في خلوة بعيدة عن ضجيج مكة.

تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في حديث صحيح أن أول ما بُدئ به رسول الله ﷺ من الوحي كان الرؤيا الصالحة في النوم؛ فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت واضحةً كما ينكشف الصباح. ثم حُبِّب إليه الخلاء، فصار يذهب إلى غار حراء، يتعبد فيه ليالي متتابعة قبل أن يعود إلى أهله.

وهذه التفاصيل ليست من روايات السيرة التي تختلف درجاتها، بل وردت مجتمعةً في حديث عائشة رضي الله عنها في صحيح البخاري. ولذلك نستطيع أن ندخل هذه المرحلة مطمئنين إلى أصل الخبر وتسلسله.

كان غار حراء في جبل خارج مكة، يبتعد فيه ﷺ عن حياة الناس المعتادة. وكان يحمل معه من الطعام ما يكفيه مدة إقامته، فإذا نفد رجع إلى خديجة رضي الله عنها، فتزوّد مرة أخرى ثم عاد إلى خلوته. لا يذكر الحديث لنا كل ما كان يقوله في تعبده، ولا يصف أفكاره ليلةً بعد ليلة؛ لذلك نقف عند اللفظ الثابت: كان يتعبد في الغار ليالي ذوات عدد.

وفي هذا الصمت الممتد كانت نفسه تُهيَّأ لما سيأتي.

ليس كل ابتعاد عن الناس هروبًا منهم؛ فقد يكون الإنسان محتاجًا إلى وقت يسكن فيه ضجيج الحياة من حوله، وينظر في قلبه وأعماله. لكن خلوة النبي ﷺ ليست عبادةً نبتكر تفاصيلها أو هيئةً نُطالب الناس بتقليدها على صورة معينة؛ إنها مرحلة من سيرته سبقت بعثته، نقلتها عائشة رضي الله عنها كما وقعت.

وفي إحدى تلك الليالي جاءه الحق وهو في غار حراء.

جاءه المَلَك وقال له: اقرأ. فأجاب ﷺ: «ما أنا بقارئ». فأخذه المَلَك فضمّه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله وطلب منه القراءة ثانية، فأجابه بمثل جوابه. وتكرر ذلك ثلاث مرات، ثم تلا عليه جبريل عليه السلام بداية سورة العلق:

﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ۝ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ ۝ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾.

كانت هذه أول كلمات القرآن التي تلقاها رسول الله ﷺ. بدأت باسم الله الخالق، وبالقراءة، وبخلق الإنسان، وبكرم الرب سبحانه. قبل تلك اللحظة لم يكن محمد ﷺ يعلم أنه سيُبعث رسولًا، ولم يكن ينتظر أن يلقاه المَلَك في الغار. ولهذا كان وقع اللقاء عظيمًا عليه.

عاد ﷺ إلى بيته وقلبه يرتجف مما رأى، ودخل على خديجة رضي الله عنها طالبًا: «زملوني زملوني»؛ أي غطّوني. فغطّوه حتى هدأ عنه الخوف، ثم أخبر خديجة بما حدث وذكر لها خشيته على نفسه.

وهنا يظهر مقام خديجة رضي الله عنها في بداية الرسالة.

لم تُقابل خوفه بالتقليل من شأن ما أصابه، ولم تتركه وحيدًا مع اضطرابه. طمأنته بقولها: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا»، ثم ذكّرته بما تعرفه عنه من أخلاق: صلته للرحم، وحمله عن الضعيف، وإعانته المحتاج، وإكرامه الضيف، ومساندته الناس في الشدائد.

كانت تعرف حياته قبل ذلك اليوم. عرفت الزوج الذي عاش معها، والرجل الذي عامله أهل مكة، ولذلك استدلت بأخلاقه على أن الله لن يضيعه. لم تكن كلماتها ثناءً عامًا يقال لمجرد المواساة؛ بل كانت شهادةً مبنية على سنوات رأته فيها يصل رحمه ويعين غيره ويحفظ الحقوق.

وفي هذا الموقف معنى يلامس القلب: الإنسان حين يفاجئه أمر شديد قد ينسى جوانب الخير في حياته، ويحتاج إلى شخص صادق يذكّره بها ويقف إلى جواره. وخديجة رضي الله عنها فعلت ذلك في واحدة من أعظم لحظات التاريخ؛ هدّأت قلبه، ثم تحركت معه طلبًا لفهم ما وقع.

انطلقت به إلى ابن عمها ورقة بن نوفل، وكان رجلًا كبيرًا قد عرف شيئًا من الكتب السابقة. طلبت منه أن يسمع ما رآه محمد ﷺ، فقص عليه رسول الله ما حدث. فعرف ورقة صفة المَلَك، وأخبره أن الذي جاءه هو صاحب السر الذي أرسله الله إلى موسى عليه السلام.

ثم قال ورقة كلامًا لم يكن متوقعًا في تلك اللحظة: تمنى لو كان شابًا قويًا حين يخرجه قومه من مكة.

تعجب النبي ﷺ وسأله: هل سيخرجه قومه؟ فأخبره ورقة أن من جاء قومه بمثل هذه الرسالة عُودي، ووعده بالنصرة إن بقي حيًا حتى يدرك ذلك اليوم. غير أن ورقة لم يلبث أن توفي، ثم انقطع الوحي مدةً بعد بدايته.

كان سؤال النبي ﷺ مفهومًا؛ فقد عرفه قومه بالأمين، ورضوا بحكمه عند الحجر الأسود، وائتمنوه في معاملاتهم. فكيف يتحول القبول إلى عداوة، وكيف يُخرج الرجل من البلد الذي وُلد ونشأ فيه؟ لكن الناس قد يقبلون أمانة المرء ما دامت لا تصادم ما اعتادوه، فإذا جاءهم بالحق الذي يغيّر معتقداتهم ومصالحهم، ظهر امتحان آخر.

انتهت تلك الليلة، لكن الحياة لم تعد كما كانت قبلها. خرج محمد ﷺ إلى حراء رجلًا معروفًا بالصدق بين قومه، وعاد منه حاملًا أول كلمات الوحي. وكان أول قلبٍ استقبله في بيته قلب خديجة رضي الله عنها؛ صدقته، وثبّتته، وسارت معه منذ اللحظة الأولى.

ما أهدأ أن نختم ليلتنا عند هذا البيت: رسول الله ﷺ يعود وقلبه يرتجف، وزوجته الصالحة تضمّد خوفه بكلمات اليقين، ثم تسعى معه إلى من يفهم الخبر. لقد بدأت الرسالة بكلمة اقرأ، وبدأت النصرة من بيتٍ امتلأ ثقةً ووفاءً.

لكن الوحي فتر بعد ذلك مدة، ثم عاد النداء، ولم تعد المهمة خلوةً في غار فقط. سيأتيه الأمر بأن يقوم وينذر، وستبدأ الدعوة بمن هم أقرب الناس إليه.

فمن كان أول من آمن به؟ وكيف بدأت الصلاة والدعوة في أيامها الأولى؟

نترك ذلك للفصل القادم، ونختم بالصلاة والسلام عليه:

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.