مَدارك — دليلك إلى طريق الإيمان
نَمْ على سيرة نبيّك الكريم ﷺ · الفصل الخامس

حين اجتمعت قريش على حكم الأمين ﷺ

قراءة هادئة موثّقة من السيرة النبوية

مرت أعوام ومحمد ﷺ يعيش بين أهل مكة معروفًا بما عهدوه من صدق وأمانة. ثم جاء يوم احتاجت فيه قريش إلى رجل تثق بحكمه، لا في خلاف على مال أو تجارة، بل عند أشرف بيت عرفته العرب: الكعبة.

تذكر كتب السيرة أن الكعبة أصابها ما أضعف بناءها، فاجتمعت قريش على تجديده. وكانت القبائل تهاب هدم البيت، ثم تشاركت في العمل، وجعلت لكل قبيلة ناحية. وثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ وعمه العباس شاركا في نقل الحجارة عند بناء الكعبة.

عمل تشارك فيه الجميع

لم يقف محمد ﷺ بعيدًا يراقب، بل حمل الحجارة مع قومه. وفي المشهد معنى هادئ: صاحب المكانة الحقيقية لا يستنكف عن العمل العام، ولا يرى أن خدمة البيت الحرام تقلل من قدره.

لم تكن قريش يومها مؤمنة برسالته؛ فالوحي لم ينزل بعد. لكنها كانت تعرف الرجل الذي يعمل بينها، وتراه يشاركها ما فيه مصلحة عامة. وهذه المعرفة السابقة ستكون حاضرة حين يقع الخلاف.

نزاع عند الحجر الأسود

لما بلغ البناء موضع الحجر الأسود، أرادت كل قبيلة شرف وضعه في مكانه. وتذكر السيرة أن الخلاف اشتد، وأن القوم مكثوا أيامًا لا يتفقون. كان الشرف واحدًا والمتنافسون كثيرين، وكل فريق يخشى أن ينفرد غيره بما يراه فضيلة.

ثم اتفقوا على أن يحكم بينهم أول داخل من باب المسجد. فكان الداخل محمدًا ﷺ. وتذكر رواية ابن إسحاق في سيرة ابن هشام أنهم لما رأوه رضوا به وقالوا: هذا الأمين. لم تأتِ هذه الثقة من موقف طارئ، بل من سنوات عاشها بينهم فلم يعرفوا عليه خيانة.

طلب ﷺ ثوبًا، فوضع الحجر الأسود فيه، ثم دعا رؤساء القبائل فأخذ كل واحد منهم بطرف، فرفعوه جميعًا. فلما بلغوا به موضعه، أخذه ﷺ بيده ووضعه مكانه. وهكذا تحولت المنافسة من سؤال: من ينفرد بالشرف؟ إلى مشاركة تحفظ لكل قبيلة نصيبًا من العمل.

حكمة تجمع ولا تغلب

لم يكن الحل خطبة طويلة، ولم يحتج إلى إهانة طرف أو إعلان هزيمته. فهم ﷺ موضع النزاع، ثم جعله بابًا للتعاون. حمل الجميع أطراف الثوب، وبقي وضع الحجر في مكانه على يده.

هذه الواقعة من أخبار السيرة المشهورة، وليست تفاصيلها كلها في حديث صحيح مستقل؛ لذلك نرويها كما نقلها أهل السيرة من غير إضافات درامية. أما مشاركته في نقل الحجارة فثابتة في صحيح البخاري.

نتعلم من هذا الموقف أن الحكمة ليست دائمًا اختيار أحد المتخاصمين، بل قد تكون إيجاد طريق يجمعهم على المقصود. والوسيط العادل لا يبحث عن نصر لنفسه، بل عن حل يمنع الظلم ويحفظ القلوب قدر المستطاع.

الكعبة كما بنتها قريش

لم تستطع قريش أن تتم البناء على جميع قواعد إبراهيم عليه السلام؛ فقد قصرت بهم النفقة الحلال التي خصصوها للبناء. وثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ أخبر عائشة رضي الله عنها بعد ذلك أن قومها نقصوا من بناء الكعبة، وأنه لولا قرب عهدهم بالجاهلية لأعادها على قواعد إبراهيم.

وفي الحديث دلالة على حكمته ﷺ بعد النبوة أيضًا: قد يكون الفعل في أصله صحيحًا، لكن مراعاة حال الناس وما قد يترتب عليه جزء من الفقه. فلم يهدم بناءً قائمًا ليعيده على الصورة الأكمل حين خشي أن تنكر قلوب حديثة العهد بالإسلام ذلك.

من ضجيج البناء إلى هدوء حراء

استقر الحجر الأسود في موضعه، وانتهى خلاف كاد يفرق القوم. وظلت صورة الأمين في أذهان أهل مكة. لكن السنوات المقبلة ستحمل لمحمد ﷺ أمرًا أعظم من كل ما عرفوه.

كان يرى ما عليه قومه من عبادة الأصنام والظلم، ولا يشاركهم باطلهم. ثم حُبب إليه الخلاء، فصار يذهب إلى غار حراء يتعبد الليالي ذوات العدد. لا نعرف كل ما كان يقوله أو يفكر فيه هناك، فلا نخترع. لكن الحديث الصحيح يخبرنا أن الخلوة سبقت اللحظة التي جاء فيها جبريل عليه السلام.

في الفصل القادم نترك مكة تحت الجبل، ونصعد مع أحداث السيرة إلى ليلة تغيّر بعدها وجه التاريخ: الليلة التي بدأ فيها الوحي.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.