لم تنتهِ المحنة حين اكتمل الخندق، بل بدأت أيامٌ صار فيها كل صوتٍ في الظلام يحمل احتمال الخطر.
خارج المدينة، تجمعت الأحزاب بما لديها من رجال وخيل وسلاح. وداخلها، كان المسلمون يراقبون الممرات ويحرسون مواضعهم، وقد طال الانتظار واشتد البرد وقل الطعام. لم تكن مواجهةً تنتهي في ساعات، بل حصارًا يختبر الأجساد والقلوب معًا.
وقد وصف القرآن ذلك الامتحان وصفًا لا يحتاج معه القارئ إلى زيادة من الخيال:
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 11].
فالخوف كان حقيقيًا، والزلزال الذي أصاب القلوب لم يكن علامة ضعف في كل من أحس به؛ إنما كان الامتحان في الوجهة التي يتخذها القلب بعد الخوف: أيعود إلى الله ويثبت، أم يتخذ القلق طريقًا إلى اليأس والانسحاب؟
كلماتٌ تكشف ما في القلوب
في تلك الأيام ظهر الفرق بين المؤمن الصادق والمنافق. رأى الفريقان الخندق نفسه، وسمعا خبر الأحزاب نفسه، وعاشا البرد والجوع نفسيهما؛ لكن تفسيرهما لما يحدث لم يكن واحدًا.
قال المنافقون ومن في قلوبهم مرض، كما حكى القرآن:
﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب: 12].
وطلب فريق منهم الرجوع إلى بيوتهم متعللين بأنها مكشوفة، فرد القرآن بأن مقصدهم كان الفرار. أما المؤمنون، فلما رأوا الأحزاب تذكروا أن الطريق إلى النصر لا يخلو من اختبار، فقالوا:
﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 22].
لم يقل القرآن إنهم لم يخافوا، بل أخبر أن المشهد زادهم إيمانًا وتسليمًا. رأوا الخطر، لكنهم لم يجعلوه حاكمًا على يقينهم. وهذه من أهدأ دروس الحصار وأعمقها: الثبات ليس غياب الخوف، بل أن يبقى القلب متعلقًا بالله وهو يمر خلاله.
يومٌ شغلهم فيه القتال عن العصر
كان الحصار متوترًا، وفي بعض ساعاته اشتد الاشتباك عند الخندق حتى شُغل النبي ﷺ وأصحابه عن صلاة العصر. ثبت في صحيح البخاري عن علي رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال يوم الخندق في حق من شغلوهم عن الصلاة حتى غربت الشمس:
«مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا، شَغَلُونَا عَنِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ».
وثبت أن النبي ﷺ صلى العصر بعد غروب الشمس ثم صلى المغرب. يضعنا هذا الخبر الصحيح أمام شدة يومٍ لم يستطع المسلمون فيه أن يتركوا مواقعهم، كما يذكرنا بعظيم منزلة الصلاة في قلب رسول الله ﷺ؛ ففي وسط الخطر ظل فوات وقتها أمرًا يؤلمه.
ولا نضيف إلى الخبر تفاصيل لا يحملها. يكفينا أن نعرف أن القتال اشتد، وأن النبي ﷺ قضى الصلاة حين تمكن، وأن ليالي الأحزاب لم تكن انتظارًا ساكنًا، بل حراسةً ومحاولات عبور وتوترًا لا يكاد ينقطع.
خطرٌ من داخل المدينة
تذكر كتب السيرة أن العهد مع بني قريظة تعرض للنقض في أثناء الحصار، فازداد الموقف صعوبة؛ لأن المسلمين أصبحوا يخشون خطرًا من الجهة التي فيها بيوت النساء والأطفال. وهذه التفاصيل تأتي من روايات السيرة والمغازي، بينما يشير القرآن إلى شدة اجتماع الأخطار من جهات متعددة.
وتذكر السيرة كذلك قصة نُعيم بن مسعود رضي الله عنه، وأنه أسلم في ذلك الوقت ولم تعلم القبائل بإسلامه، فعمل على إضعاف الثقة بين الأحزاب وبني قريظة حتى تفرقت كلمتهم. وهي قصة مشهورة في كتب السيرة، لكنها ليست في درجة الأحاديث الصحيحة التي سنذكرها عن ختام الحصار؛ لذلك نثبتها في موضعها وبصفتها: خبرًا من أخبار السيرة.
ومع الأخذ بالأسباب، ظل المسلمون يعلمون أن قوتهم وحدها لا تكفي لدفع هذا الجمع الكبير. كانوا بحاجة إلى فرج يأتي من الله.
مهمة حذيفة في الليل
في ليلة شديدة البرد والظلام، أراد النبي ﷺ أن يعرف ما يحدث في معسكر الأحزاب. ثبت في صحيح مسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه كان مع النبي ﷺ وأصحابه، وقد أصابهم خوف وبرد شديدان، فقال النبي ﷺ:
«أَلَا رَجُلٌ يَأْتِينِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟»
فسكت القوم لما هم فيه من شدة، حتى نادى النبي ﷺ حذيفة باسمه، فلم يجد بدًا من القيام. وأمره أن يأتي بخبر القوم وألا يحدث فيهم شيئًا حتى يرجع.
مضى حذيفة رضي الله عنه في الظلام إلى معسكرهم. لم يذهب ليبدأ مواجهة، بل لينفذ أمرًا محددًا: أن يرى ويعود بالخبر. وفي رواية مسلم أنه وجد أبا سفيان يصلي ظهره بالنار، وهمَّ أن يرميه، ثم تذكر قول النبي ﷺ: «لا تَذْعَرْهُمْ عَلَيَّ»، فكفَّ ورجع.
هنا يظهر نوع آخر من الشجاعة. ليست الشجاعة دائمًا أن يضرب الرجل حين يستطيع؛ فقد تكون أن يملك نفسه حين يتطلب الواجب الصبر. كان في يد حذيفة ما يمكن أن يبدأ به حدثًا كبيرًا، لكن الأمانة كانت في الالتزام بالتوجيه.
حين دخلت الريح معسكرهم
رأى حذيفة رضي الله عنه الأحزاب في حال اضطراب. كانت الريح تقلب قدورهم وتطفئ نيرانهم، ولم تعد الأرض مكانًا يصلح لإقامة جيش يائس من العبور. وقام أبو سفيان في القوم معلنًا الرحيل، ومحذرًا من البقاء.
عاد حذيفة إلى النبي ﷺ بالخبر. وقد حفظ لنا القرآن المعنى الأكبر لتلك الليلة:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب: 9].
لم يحتج المسلمون إلى مطاردة جيشٍ منهزم ولا إلى معركة فاصلة في أرض مفتوحة. أرسل الله ريحًا، وألقى في صفوف الأحزاب الاضطراب، وردهم بغيظهم دون أن ينالوا ما أرادوا.
﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: 25].
انتهى الحصار الذي أراد أصحابه أن ينهوا به وجود المسلمين في المدينة. كان المسلمون قد حفروا الخندق، وحرسوا مواقعهم، وصبروا على الجوع والبرد، ثم جاء النصر من حيث لا تملكه أيديهم. وهكذا اجتمع في القصة كلها بذل السبب مع صدق التوكل: عملٌ حتى آخر القدرة، ثم افتقار كامل إلى الله.
بعد انصراف الأحزاب
طلع الصباح وقد خلت مواضع الحصار من الجموع التي ملأتها. لكن المدينة لم تدخل الراحة الطويلة التي قد يتوقعها المنهكون. فقد بقيت قضية العهد الذي نُقض في أشد ساعات الحصار، وكان لابد من التعامل معها.
عاد النبي ﷺ من الخندق ووضع السلاح واغتسل، ثم جاءه أمرٌ جديد بالمسير إلى بني قريظة، كما ثبت في الصحيحين. لم يكن ذلك فصلًا صغيرًا ملحقًا بالخندق، بل مرحلة جديدة لها أحداثها وأحكامها وامتحانها الخاص.
فماذا وقع بعد أن نادى النبي ﷺ أصحابه بالخروج؟ وكيف فهموا أمره ألا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة؟ ذلك ما نقرأه في الفصل القادم بإذن الله.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد ﷺ.