لم تعد الأخطار تأتي إلى المدينة من جهة واحدة.
فبعد أن عاد النبي ﷺ من دُومة الجندل، كانت قريش ما تزال تحمل عداوتها، وكانت جماعات أخرى ترى في قوة المسلمين خطرًا على نفوذها. أما من أُجلوا من بني النضير، فلم تنتهِ خصومتهم بخروجهم من المدينة؛ بل تذكر كتب السيرة أن نفرًا منهم سعوا بين القبائل يحرضونها على قتال المسلمين.
كانت المحاولة هذه المرة أكبر من بدر وأُحد. لم يكن الحديث عن قبيلة واحدة، ولا عن جيش يأتي منفردًا، بل عن جماعات متعددة تتفق على هدف واحد: التوجه إلى المدينة ومحاصرتها.
ومن هنا جاء اسم غزوة الأحزاب؛ لأن أحزابًا من القبائل اجتمعت فيها. وسُميت أيضًا غزوة الخندق، نسبة إلى الحاجز الذي حفره المسلمون عند الجهة المكشوفة من المدينة.
تضع كثرة أهل السيرة هذه الغزوة في السنة الخامسة للهجرة، مع وجود خلاف قديم في تحديد سنتها؛ لذلك لا نجعل التاريخ محور الفصل. أما اجتماع الأحزاب وتحريض بعض بني النضير لقريش وغطفان، فهي تفاصيل مصدرها كتب السيرة والمغازي. وأما حفر الخندق، ومشاركة النبي ﷺ وأصحابه فيه، وما أصابهم من تعب وجوع، فقد ثبت في أحاديث صحيحة.
خبرٌ أكبر من كل ما سبق
وصل إلى النبي ﷺ خبر اجتماع القبائل ومسيرها نحو المدينة.
لم يكن من الحكمة الخروج إلى أرض مفتوحة لمواجهة جيش كبير بالطريقة نفسها التي جرت بها المواجهات السابقة. كانت المدينة تضم الرجال والنساء والأطفال، وأي اختراق سريع لدفاعاتها قد يعرض الجميع لخطر شديد.
احتاج الموقف إلى فكرة تناسب حجمه، وإلى عمل يبدأ قبل وصول العدو.
وتذكر سيرة ابن هشام أن سلمان الفارسي رضي الله عنه أشار بحفر الخندق. وقد صاغ ابن هشام الخبر بلفظ يدل على النقل فقال: «يقال إن سلمان الفارسي أشار به»؛ ولذلك نذكر هذه النسبة بوصفها من أخبار السيرة المشهورة، لا على أنها حديث صحيح مستقل.
كان سلمان رضي الله عنه قد عرف هذا الأسلوب الدفاعي خارج البيئة العربية، فجاءت الفكرة جديدة على الحروب التي ألفتها القبائل. فالخيل تستطيع الاندفاع في الأرض المفتوحة، لكنها تقف أمام حفرة عميقة واسعة لا تقدر على اجتيازها بسهولة.
لم يكن الخندق يحيط بالمدينة كلها؛ فقد كانت جوانب منها محمية بطبيعة الأرض والبنيان والنخيل، أما الجهة التي يمكن للجيش أن يدخل منها فكانت بحاجة إلى حاجز. وهذه الصورة العامة تذكرها كتب السيرة، أما المقاسات الدقيقة لطول الخندق وعرضه وعمقه فقد اختلفت فيها الروايات والتقديرات، فلا نجزم بها.
لم يكن النبي ﷺ يراقب من بعيد
بدأ العمل، ولم يكن في المدينة وقت طويل يمكن إضاعته.
خرج المهاجرون والأنصار يحفرون الأرض، وينقلون التراب على ظهورهم. ولم يكن حفر ذلك الحاجز عملًا يسيرًا؛ فالأرض فيها حجارة، والجو بارد، والطعام قليل، وخبر الأحزاب يقترب.
وكان رسول الله ﷺ معهم.
لم يقف بعيدًا يصدر الأوامر، ولم يجعل التعب على أصحابه وحدهم. ثبت في صحيح البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه رأى المسلمين يحفرون وينقلون التراب على أكتافهم، وكان النبي ﷺ حاضرًا بينهم، فقال:
«اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار».
هذا ليس مشهدًا أضافه أهل القصص، بل خبر صحيح يضعنا أمام صورة واضحة: قائد الأمة يحمل مع أصحابه، ويرى تعبهم، ويدعو لهم بالمغفرة.
وروى أنس رضي الله عنه أن المهاجرين والأنصار كانوا يحفرون الخندق في صباح بارد، ولم يكن لهم خدم يقومون بالعمل عنهم. رأى النبي ﷺ ما أصابهم من التعب والجوع، فردد الدعاء الذي يربط المشقة برجاء الآخرة.
وكان الصحابة يجيبون بكلمات تعلن ثباتهم، وأنهم بايعوا النبي ﷺ على الإسلام والجهاد ما بقوا.
لم يختفِ التعب حين قالوا تلك الكلمات، ولم يتحول الجوع إلى شبع، لكن القلب حين يعرف لماذا يعمل يستطيع أن يحمل ما يثقل على الجسد. كانوا يحفرون لحماية بيوتهم ودينهم ومدينتهم، ويعلمون أن الأجر الذي عند الله أبقى من راحة عابرة.
التراب على جسده الشريف
وتثبت روايات صحيحة أخرى أن النبي ﷺ شارك في نقل التراب حتى ظهر أثره عليه.
رآه البراء بن عازب رضي الله عنه يوم الأحزاب وهو ينقل من تراب الخندق، وقد غطى الغبار بطنه، وكان يردد كلماتٍ فيها اعتراف بفضل الله، وطلب للسكينة والثبات عند اللقاء.
لم يكن ذلك مجرد تشجيع بالكلام؛ فقد اجتمع في هديه ﷺ الدعاء والعمل. توكلٌ على الله، ومعه تخطيط. دعاء بالثبات، ومعه يد تحمل التراب. يقين بأن النصر من عند الله، ومعه إعداد ما يستطيعه البشر لدفع الخطر.
وفي ذلك جواب عملي لمن يظن أن التوكل يعني انتظار الفرج من غير سبب. لو كان الأمر كذلك، لما حُفر الخندق، ولما حمل النبي ﷺ التراب، ولما عمل الصحابة في البرد والجوع. لكن القلب يعتمد على الله، والجوارح تبذل ما تستطيع.
فكرةٌ تحولت إلى صفوفٍ من العاملين
احتاج إنجاز الخندق إلى تعاون أهل المدينة، فلم يكن رجل واحد يستطيع حفره، ولا جماعة صغيرة تستطيع إتمامه قبل وصول الأحزاب.
وتذكر روايات السيرة أن العمل قُسّم بين الصحابة، فأصبح لكل جماعة جزء تتولاه. ولا نحتاج إلى الجزم بعدد الأذرع التي خُصصت لكل فريق؛ فالمعنى الثابت ظاهر: وُزّع العمل، واجتمعت الأيدي، وصار كل جزء يُنجَز امتدادًا لما أنجزه الآخرون.
لم يكن بينهم أصحاب مهنة واحدة، ولا رجال عاشوا الحياة نفسها. فيهم المهاجر الذي ترك بيته بمكة، والأنصاري الذي فتح مدينته لإخوانه، وسلمان الذي جاء من أرض بعيدة يبحث عن الحق. لكن الخطر لم يسأل عن أنسابهم، والعمل لم يترك وقتًا للتفاخر؛ فجمعهم الإيمان والمسؤولية.
وهنا نرى كيف تحولت فكرة من رجل واحد إلى حماية لمدينة كاملة. لم يقل الصحابة إن الفكرة غريبة عن عاداتهم، ولم يرفضوها لأنها جاءت ممن لم يولد في مكة أو المدينة. نظروا إلى نفعها، وأخذوا بالحكمة التي تعينهم.
حين وصلت الأحزاب
اكتمل الجانب الضروري من الخندق قبل أن يدخل جيش الأحزاب إلى المدينة.
وجاءت القوات التي جمعتها قريش وحلفاؤها، وهي تتوقع طريقًا مفتوحًا ومواجهة مألوفة. لكنها وجدت أمامها حاجزًا لم تعتده في حروب العرب. توقفت سرعة الاندفاع، وتحولت خطة الهجوم إلى حصار.
أما المسلمون، فكان الخندق بينهم وبين الجيش، لكن ذلك لم يجعل أيامهم آمنة سهلة. فقد بدأ امتحان من نوع آخر: انتظار طويل، وخوف يحيط بالمدينة، وقلوب تتعرض لاختبار شديد.
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ [الأحزاب: 10–11].
لم يكن الخوف وهمًا، ولم يكن وصف القرآن مبالغة. عدو كبير خارج المدينة، وقلق على من فيها، ومنافقون يبثون الوهن، وعهد داخل المدينة سيصبح موضع خطر.
لكن الفصل لم يُحسم عند الخندق وحده؛ فقد كان الحصار قد بدأ للتو.
كيف عاش المسلمون تلك الليالي؟ وماذا حدث حين اشتد الجوع والخوف، وظهر خطر من داخل المدينة؟ وكيف انتهى الحصار بريحٍ وجنود لم يرها الناس؟
ذلك ما نقرأه في الفصل القادم بإذن الله.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد ﷺ.