بدأ صباح أُحد والصفوف قد أخذت مواقعها. وراء المسلمين جبل أُحد، وأمامهم جيش قريش الذي جاء يحمل غضب بدر ورغبة الثأر. وكان رسول الله ﷺ قد رتّب أصحابه، وجعل جماعةً من الرماة في موضع مرتفع يحمي ظهر الجيش من التفاف فرسان العدو.
لم يكن ذلك الموضع تفصيلًا صغيرًا في خطة المعركة. كان بابًا ينبغي أن يبقى مغلقًا مهما تغيّر ما يحدث أمامه؛ ولذلك جاء أمر النبي ﷺ واضحًا لا يحتمل الاجتهاد.
ثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ جعل على الرماة عبد الله بن جبير رضي الله عنه، وكانوا خمسين رجلًا، وأمرهم ألا يتركوا مكانهم حتى يرسل إليهم، سواء رأوا المسلمين منتصرين أو رأوهم يتعرضون للهزيمة. لقد ربط بقاءهم بأمره هو، لا بتقديرهم الشخصي لما يشاهدونه في ساحة القتال.
بدايةٌ تبشّر بالنصر
التحم الجيشان، وثبت المؤمنون في مواقعهم، وبدأت كفة المعركة تميل إليهم. وتذكر روايات الحديث الصحيح أن مقاتلي قريش تراجعوا، حتى ظهر للرماة أن المسلمين قد انتصروا، وأن جيش مكة أخذ يفرّ من الميدان.
في تلك اللحظات رأى بعض الرماة ما تركه المنهزمون وراءهم، وظنوا أن المعركة انتهت. قال بعضهم لبعض إن الغنيمة قد ظهرت، وإن عليهم أن يلحقوا بإخوانهم.
ذكّرهم قائدهم عبد الله بن جبير رضي الله عنه بأمر رسول الله ﷺ، وحذّرهم من ترك الموضع. لكن عددًا منهم رأى أن الأمر كان متعلقًا بزمن القتال، وأن القتال قد انتهى بالفعل. فنزلوا من الجبل، وبقي عبد الله بن جبير مع نفر قليل متمسكين بالموقع.
لم يكن الذين نزلوا يريدون هزيمة المسلمين، ولم يخرجوا من دائرة الإيمان بسبب خطئهم. لكنهم خالفوا أمرًا واضحًا في لحظةٍ كان ثباتهم فيها يحمي جيشًا كاملًا. وهنا انكشف الفرق بين حسن النية وصواب الفعل: قد يريد الإنسان خيرًا، ثم يضر من حيث لا يقصد إذا قدّم اجتهاده على أمرٍ صريح.
الممر الذي انفتح
حين خلا أكثر موضع الرماة، انكشف ظهر المسلمين. ورأت فرسان قريش الفرصة التي كانت تنتظرها، فالتفت من الخلف نحو الجيش المسلم، بينما عاد من كان قد فرّ من المشركين إلى القتال من الأمام.
وفي وقت قصير تغيّر وجه المعركة.
كان المسلمون قبل لحظات يلاحقون جيشًا متراجعًا، فإذا بهم يجدون العدو أمامهم وخلفهم. اختلطت الصفوف، ولم يعد بعضهم يميز موضع أصحابه، وانتشر الاضطراب في الميدان.
وقد صوّر القرآن هذه اللحظة تصويرًا دقيقًا، فقال الله تعالى:
﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 152].
بدأت الآية بتأكيد أن الله صدقهم وعده؛ فقد رأوا النصر في أول النهار. ثم بيّنت موضع التحول: ضعفٌ، وتنازعٌ في الأمر، ومخالفة بعد ظهور ما يحبون. لكنها لم تُغلق الباب عند الخطأ، بل ختمت بقول الله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾. جاء التصحيح واضحًا، وجاء معه العفو والفضل.
الخبر الذي زاد الاضطراب
وسط اختلاط الصفوف انتشر بين الناس خبرٌ أن رسول الله ﷺ قد قُتل. كان الخبر أشد على القلوب من التفاف الفرسان؛ لأن المؤمنين لم يروا قائدًا فقط، بل رأوا رسول الله الذي أخرجهم الله به من الظلمات إلى النور.
ضعفت نفوس، وتوقف بعض الناس عن القتال، وظن آخرون أن الطريق قد انتهى. لكن رسالة الله لا تنتهي بموت بشر، مهما علت منزلته. وقد نزل في سياق أُحد قول الله تعالى:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 144].
كان النبي ﷺ حيًّا، لكن الآية ربّت المؤمنين على أصل سيحتاجون إليه بعد سنوات: العبادة لله، والرسالة من عند الله، والثبات على الحق لا يرتبط ببقاء شخص في الدنيا.
حول رسول الله ﷺ
أُصيب النبي ﷺ في ذلك اليوم. ثبت في صحيح البخاري أن وجهه الشريف جُرح، وكُسرت رباعيته، وكُسرت الخوذة على رأسه. وكانت فاطمة رضي الله عنها تغسل الدم عن وجه أبيها، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يصب الماء، فلما رأت أن الماء يزيد النزف، أحرقت قطعةً من حصير واستعملت رمادها حتى توقف الدم.
وفي وقت الاضطراب اجتمع حوله عدد من أصحابه يدافعون عنه. ثبت أن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه حمى النبي ﷺ بيده حتى أصيبت، فبقي أثر إصابتها معه. وثبت أن أبا طلحة الأنصاري رضي الله عنه وقف أمامه يقيه بترسه، وكان رامياً شديد الرمي. وكان سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يرمي، والنبي ﷺ يحثه ويقول له: «ارمِ سعد».
لم تكن تلك المواقف كلمات تُقال بعد زوال الخطر؛ كانت أجسادًا تقف بين رسول الله ﷺ وبين السهام. ظهر صدق المحبة حين صار ثمنها ألمًا ودمًا وثباتًا.
حمزة رضي الله عنه
وفي ناحيةٍ من الميدان كان حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه يقاتل بشجاعة. وهو عم رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاعة، ومن الرجال الذين أعز الله بهم المسلمين في مكة. وقد شهد بدرًا، وكان له أثر ظاهر فيها.
وثبت في صحيح البخاري من رواية وحشي أنه ترصّد حمزة يوم أُحد، ثم رماه بحربته فقتله. وكان مقتله من أشد ما وقع على رسول الله ﷺ في ذلك اليوم. أما كثير من التفاصيل التي تُروى حول مشهد مقتله وما جرى بعده، ففيها روايات متفاوتة؛ لذلك نقف عند ما ثبت، ونترك الحديث عن الشهداء ودفنهم للفصل التالي.
والرسول يدعوهم
صوّر القرآن تفرق بعض المسلمين، ورسول الله ﷺ ثابت يدعوهم من خلفهم:
﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 153].
كان يدعوهم بينما يصعد بعضهم ولا يلتفت إلى أحد. ومع ذلك لم تنتهِ الآيات بإخراجهم من الإيمان، بل واصلت تربيتهم، وكشفت خطأهم، وأخبرت بعفو الله عنهم.
درس الليلة
تعلّمنا أُحد أن الأمر الصغير في نظر الإنسان قد يحمي جماعةً كاملة. لم يكن بقاء الرماة في موقعهم عملًا ظاهرًا مثل مطاردة العدو، لكنه كان الواجب الذي تقوم عليه سلامة الجيش.
ونتعلم أن النصر لا يجعل الإنسان مستغنيًا عن الطاعة. رأى المسلمون ما يحبون، ثم تغيّر المشهد حين وقع التنازع ومخالفة الأمر. فالطاعة لا تلزمنا وقت الخوف وحده؛ قد يكون امتحانها أشد عند ظهور النجاح والغنيمة.
ونتعلم كذلك ألا نحكم على الإنسان من لحظة خطئه فقط. أخطأ من أخطأ يوم أُحد، وبيّن القرآن خطأهم، ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾. لا يعني العفو أن الخطأ بلا أثر، ولا يعني وقوع الخطأ أن باب الرجوع قد أُغلق.
غربت شمس أُحد على مشهد مؤلم: رسول الله ﷺ جريح، وحمزة رضي الله عنه بين الشهداء، وعدد من خيرة الصحابة قد فارقوا الدنيا، والمؤمنون يجمعون صفوفهم بعد يومٍ بدأ بالنصر ثم تحول بالابتلاء.
كيف استقبل رسول الله ﷺ خبر الشهداء؟ وكيف دُفنوا عند أُحد؟ وماذا قال النبي ﷺ حين وقف أبو سفيان بعد انتهاء القتال معلنًا فرحه بما وقع؟
نترك ذلك للفصل القادم بإذن الله.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد ﷺ.