كان المسجد قد أصبح موضع اجتماع المسلمين في المدينة؛ فيه يصلّون، ويتعلمون، وتلتقي قلوبهم على عبادة الله. ولكن بقي أمر عملي يتكرر كل يوم: كيف يعرف الناس أن وقت الصلاة قد حان؟
لم تكن الساعات معلقة على الجدران، ولم يكن في المدينة صوتٌ ثابت يدعو الناس إلى المسجد. كان المسلمون يتحرّون وقت الصلاة، فإذا اقترب موعدها اجتمعوا، وقد يتأخر بعضهم أو لا يعلم بدخول الوقت. ومع اتساع الجماعة وتفرّق البيوت، صار لا بد من وسيلة يسمعها الناس فتجمعهم.
روى البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن المسلمين، حين قدموا المدينة، كانوا يجتمعون للصلاة ويتحينون وقتها، ولم يكن أحد ينادي لها. إنها صورة هادئة من الأيام الأولى: مسجد قائم، وقلوب تحب الصلاة، لكن موعد اللقاء لا يزال يُعرف بالتقدير والانتظار.
بحثٌ عن النداء
اجتمع المسلمون يتشاورون في الوسيلة المناسبة. ذُكر الناقوس الذي تستعمله النصارى، وذُكر القرن الذي يستعمله اليهود. ولم تكن المسألة مجرد اختيار صوت مرتفع؛ فهذه الأمة التي بدأت تتشكل في المدينة كانت تحتاج إلى نداءٍ يخصها، يحمل عقيدتها ولا يكون مجرد تقليد لغيرها.
وفي الرواية الصحيحة عند البخاري، أشار عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أن يبعثوا رجلًا ينادي بالصلاة، فأمر رسول الله ﷺ بلالًا أن ينادي لها. وبذلك بدأ الانتقال من انتظار الناس للموعد إلى وصول النداء إليهم حيث كانوا.
رؤيا عبد الله بن زيد
أما تفصيل الكلمات التي صار المسلمون يسمعونها، فقد جاء في خبر عبد الله بن زيد رضي الله عنه. تذكر رواية سنن أبي داود والترمذي أنه رأى في منامه رجلًا يعلّمه كلمات الأذان. فلما أصبح، جاء إلى رسول الله ﷺ وأخبره بما رأى.
أقر النبي ﷺ الرؤيا، وقال له إنها رؤيا حق، ثم أمره أن يقوم مع بلال فيلقي عليه الكلمات ليؤذن بها؛ لأن بلالًا كان أندى صوتًا منه.
وهنا يظهر مشهد من أجمل مشاهد المدينة من غير حاجة إلى إضافة حوار أو وصف لا تثبته الروايات: عبد الله بن زيد يحمل الكلمات، وبلال يرفع بها صوته، ورسول الله ﷺ يقرّ هذا النداء للأمة.
صوت بلال رضي الله عنه
ليس اختيار بلال رضي الله عنه أمرًا يمر بلا تأمل. فهذا الرجل عُذّب في مكة بسبب إيمانه، وثبت على التوحيد حين كان مستضعفًا لا يملك أن يدفع عن نفسه الأذى. ثم جاءت المدينة، وصار صوته هو الذي يدعو المسلمين إلى أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين.
لم يكن يُنادى عليه ليُعذَّب، بل أصبح هو المنادي إلى عبادة الله. وما بين الحالين مسافة قطعتها العقيدة في القلوب، وغيّرتها الهجرة في حياة المؤمنين.
وحين سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلمات الأذان، جاء إلى النبي ﷺ وأخبره أنه رأى مثل ما رأى عبد الله بن زيد. فحمد النبي ﷺ الله. وهكذا اجتمعت الرؤيا الصالحة مع إقرار الرسول ﷺ، واستقر النداء الذي سيظل بعد ذلك علامة ظاهرة في حياة المسلمين.
كلمات تحمل العقيدة
بدأ الأذان بالتكبير: الله أكبر. قبل أن يُدعى الناس إلى الحركة، يُذكَّرون بمن هو أكبر من كل ما يشغلهم: أكبر من التجارة التي بين أيديهم، ومن الحديث الذي يجلسون له، ومن النوم الذي يثقل أجسادهم، ومن الهم الذي يأخذ قلوبهم.
ثم تأتي الشهادة بوحدانية الله وبرسالة محمد ﷺ. فالطريق إلى الصلاة ليس حركة جسد بلا معنى؛ إنه يبدأ بإعلان أصل الإيمان. وبعد ذلك يسمع الناس: حي على الصلاة، حي على الفلاح. دعوة إلى الوقوف بين يدي الله، وإعلان أن الفلاح الحقيقي متصل بهذه العبادة، لا بما يجمعه الإنسان من متاع وحده.
ثم يعود التكبير والتوحيد في ختام النداء، وكأن الأذان يأخذ السامع من شواغل الأرض إلى حقيقة واحدة: أن الله أكبر، وأنه وحده المستحق للعبادة.
صار لصوت بلال أثر جديد في يوم المدينة. يسمعه من كان في بيته، ومن كان في سوقه، ومن انشغل بعمله، فيعلم أن موعدًا مع الله قد حضر. تتوقف الأعمال قليلًا، ويتجه الناس من طرق متفرقة إلى مكان واحد، ويقفون في صفوف لا يقدَّم فيها صاحب مال لماله، ولا صاحب نسب لنسبه؛ إنما يجمعهم الإيمان، ويتقدمهم رسول الله ﷺ إمامًا.
وبهذا لم يكن الأذان مجرد وسيلة لمعرفة الوقت؛ لقد صار معلَمًا ينظم يوم المؤمن. يبدأ بالفجر قبل أن تستيقظ المدينة كاملة، ثم يتكرر مع انتقال النهار من حال إلى حال، حتى يأتي العشاء وقد هدأت الحركة وأقبل الليل. وبين نداء ونداء يتذكر المسلم أن عمره ليس كتلة واحدة من الانشغال، بل محطات يعود فيها إلى ربه.
ماذا يقول السامع؟
لم يجعل النبي ﷺ فضل الأذان خاصًّا بالمؤذن وحده، بل علّم السامع ما يقول. ففي صحيح مسلم أنه ﷺ أمر من سمع المؤذن أن يردد مثل قوله، ثم يصلّي على النبي ﷺ، ويسأل الله له الوسيلة؛ ووعد من فعل ذلك بشفاعته يوم القيامة. وهكذا يصبح السامع شريكًا في الذكر، فلا يمر النداء على أذنه وكأنه صوت بعيد لا يعنيه.
وجاء في صحيح البخاري أن الشيطان يفر حين يسمع النداء للصلاة، وفيه بيان لما يحمله الأذان من إعلان للتوحيد وإقبال على العبادة. كما بيّن النبي ﷺ عظيم أجر المؤذنين، وفضل المبادرة إلى الصلاة والصف الأول.
تأمل كيف جاء هذا التشريع في موضعه من بناء المجتمع الجديد. بُني المسجد أولًا، واجتمع المسلمون فيه، وتآخى المهاجرون والأنصار، ونُظمت العلاقات في المدينة، ثم جاء النداء ليجمع هذه القلوب مرارًا كل يوم. لم تكن الجماعة فكرة تُقال فقط؛ كانت لقاءً يتجدد عند كل صلاة.
أما في تلك الأيام الأولى، فكان المسلمون لا يزالون يصلّون متجهين إلى بيت المقدس. وسيأتي يوم يرفع فيه النبي ﷺ وجهه إلى السماء، مترقبًا أمر ربه، ثم ينزل الوحي بتوجيه القبلة نحو الكعبة. وسيكون لذلك التحول أثر عميق في المسجد والمدينة ونفوس المؤمنين.
إلى تلك اللحظة نمضي في الفصل القادم. أما الليلة، فإذا سمعت الأذان، فتذكر أولئك الذين كانوا يتحرون وقت الصلاة بلا نداء، ثم أكرمهم الله بكلماتٍ تجمع التوحيد والرسالة والصلاة والفلاح.
اللهم اجعل قلوبنا معلقة بالصلاة، وصلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد ﷺ.