مَدارك — دليلك إلى طريق الإيمان
نَمْ على سيرة نبيّك الكريم ﷺ · الفصل الحادي والعشرون

عهدٌ ينظّم الحياة في المدينة

قراءة هادئة موثّقة من السيرة النبوية

اكتمل للمسلمين موضع يجتمعون فيه للصلاة، وبدأ المهاجرون يجدون إلى جوارهم إخوانًا من الأنصار يواسونهم ويعينونهم. لكن المدينة لم تكن قرية صغيرة يسكنها قوم متشابهون؛ كانت مجتمعًا تتداخل فيه القبائل والعشائر والعهود القديمة.

كان فيها الأوس والخزرج، وقد أنهكتهم حروب طويلة قبل الإسلام، وفيها المهاجرون القادمون من مكة، وفيها جماعات من اليهود، وأناس لم يدخل الإيمان قلوبهم. ولكل جماعة روابطها ومصالحها وحلفاؤها.

لم تكن المحبة وحدها كافية لتنظيم هذا الواقع. كان لا بد من عهدٍ يبيّن الحقوق، ويحدد المسؤوليات، ويمنع أن تعود المدينة إلى دوامة الثأر والاقتتال.

من القبيلة إلى جماعة الإيمان

تذكر كتب السيرة أن رسول الله ﷺ كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار، ووادع فيه جماعات اليهود، وبيّن لكل طرف ما له وما عليه. واشتهر هذا الكتاب عند الباحثين باسم صحيفة المدينة.

افتُتحت الصحيفة، كما رواها ابن إسحاق وأوردها ابن هشام، بذكر المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم ولحق بهم، وأنهم: «أمةٌ واحدة من دون الناس».

لم تعنِ هذه العبارة إلغاء الأنساب أو محو أسماء القبائل، فقد ظلت القبائل معروفة، واستمرت في بعض صور التكافل التي اعتادتها. لكن الرابطة العليا لم تعد الدم أو الأرض وحدهما؛ صار الإيمان عهدًا يجمع المكي بالمدني، ويجعل المهاجر والأنصاري جزءًا من جماعة واحدة.

كان هذا تحولًا عميقًا في مجتمع اعتاد أن يقف كل رجل مع قبيلته، سواء كانت على حق أم على باطل. أما في المجتمع الجديد، فلم يعد الظالم يُحمى لمجرد أنه من العشيرة، ولم يعد الضعيف يُترك لأنه غريب لا أهل له.

لا يُترك المحتاج وحده

نصت الصحيفة، في الرواية التي أوردتها كتب السيرة، على تعاون المؤمنين في الديات وفداء الأسرى بالمعروف والعدل، وألا يتركوا بينهم مثقلًا بالدَّين أو الفداء من غير إعانة.

وهكذا لم تكن الجماعة اسمًا يقال، بل مسؤولية. من وقع في شدة لم يُترك وحده، ومن تحمل عبئًا لا يقدر عليه وجد من يعينه، ومن أُسر لم تنسَ الجماعة أمره.

احتفظت العشائر ببعض نظمها النافعة، لكن تلك النظم أصبحت محكومة بالمعروف والقسط، لا بالتعصب والانتقام. لم يهدم النبي ﷺ كل ما عرفه الناس لمجرد أنه قديم؛ أبقى ما يحقق التعاون والعدل، ومنع ما يؤدي إلى الظلم والعدوان.

تبدو هذه المواد للوهلة الأولى أحكامًا تتعلق بالمال والفداء، لكنها في حقيقتها تبني الطمأنينة. فالإنسان يستطيع أن يعمل ويعطي ويستقر حين يعلم أنه ليس متروكًا إذا نزلت به شدة.

الأمن مسؤولية مشتركة

جعلت الصحيفة للمدينة حرمة، ومنعت حماية المجرم أو إيواء من يريد إفساد أمنها. وهذا المعنى تؤيده أحاديث صحيحة مستقلة؛ فقد ثبت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن في صحيفة عن النبي ﷺ بيان حرمة المدينة، وأن ذمة المسلمين واحدة، وأن الأمان الذي يمنحه مسلم يجب أن يحترمه سائر المسلمين.

فالأمن لا يكون قويًا إذا استطاع كل فرد أن ينقض عهد الجماعة متى شاء، أو أن يحمي معتديًا لأنه قريبه أو حليفه. لذلك صار الوفاء بالأمان والعهد أمرًا تتحمله الجماعة، وصار إيواء المفسد اعتداءً على حق الجميع.

وثبت أيضًا في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ جعل المدينة حرمًا. لم تصبح كحرم مكة في جميع الأحكام، ولكن جُعلت لها حرمة تمنع الإفساد فيها والاعتداء على أمنها.

لليهود دينهم وللمسلمين دينهم

ورد في نص الصحيفة كما نقله ابن إسحاق أن جماعات اليهود الداخلة في العهد لها دينها، وللمسلمين دينهم، وأن لكل طرف نفقته، وأن بينهم التعاون في الدفاع عن المدينة إذا تعرضت للعدوان، مع النصح والبر وترك الإثم.

لم يكن الاتفاق إكراهًا لهم على الدخول في الإسلام؛ فقد أقرهم على دينهم وأموالهم ما داموا قائمين بالعهد. وفي الوقت نفسه لم يكن العهد إذنًا بالخيانة أو مساعدة من يهاجم المدينة.

كان المطلوب واضحًا: يعيش كل طرف آمنًا، ويتحمل مسؤوليته، ولا ينصر معتديًا، ولا يجعل اختلاف الدين ذريعةً للغدر أو ظلم الأبرياء.

وهذه البنود نقلتها كتب السيرة ضمن نص طويل للصحيفة، وليست جميع ألفاظها مجتمعة في حديث واحد من الصحيحين. لذلك نذكرها بصفتها وثيقة من روايات السيرة، مع ملاحظة أن عددًا من معانيها العامة تؤيده أحاديث صحيحة في حرمة المدينة، ووحدة أمان المسلمين، والوفاء بالعهود.

لا حماية لظالم

أكدت الصحيفة أن الإنسان يتحمل نتيجة ظلمه وإثمه، وأن العهد لا يحمي المعتدي. فوجود اسم الشخص ضمن جماعة أو قبيلة لا يجعله فوق المسؤولية.

إنه مبدأ يحتاج إليه كل مجتمع: الاتفاق يحفظ الحقوق، لكنه لا يتحول إلى ستار يحتمي خلفه من يظلم الآخرين. والحليف لا يحمل وزر حليفه إذا لم يشاركه جرمه، والأسرة لا تُدان بجريرة فرد لمجرد صلتها به.

كانت المدينة تتعلم الانتقال من نصرة القريب في كل حال إلى نصرة المظلوم وردع الظالم. فالنصرة الحقيقية ليست أن تساعد أخاك على اعتدائه، بل أن تمنعه من الاعتداء وتحفظ له ولغيره طريق العدل.

عند الاختلاف

نصت رواية الصحيفة على أن ما يقع بين أهلها من حدث أو نزاع يُخشى فساده يُرد إلى الله ورسوله ﷺ. كان هذا ضروريًا؛ لأن ترك كل قبيلة تحكم لنفسها يعني عودة النزاع القديم. أما وجود مرجع يرجع إليه المختلفون، فيمنع أن يتحول الخلاف الصغير إلى حرب واسعة.

ولم يكن رسول الله ﷺ صاحب سلطة بعيدة عن الناس؛ كان بينهم في المسجد، يعلمهم ويقضي بينهم ويزور مريضهم ويسمع شكواهم. رأوه يحمل اللبن في بناء المسجد، ثم رأوه يضع القواعد التي تحفظ دماءهم وحقوقهم.

اجتمع في قيادته ﷺ التواضع والحزم: يعمل مع أصحابه بيده، لكنه لا يترك المجتمع بلا نظام؛ يرحم الضعيف، لكنه لا يجعل الرحمة عذرًا لحماية المعتدي؛ يعاهد المخالف في الدين، لكنه يشترط الوفاء وعدم الخيانة.

وبقي أمر يحدد إيقاع يومهم الجديد. فقد صار لهم مسجد تقام فيه الصلوات، لكن كيف يُعلم الناس بدخول وقت الصلاة؟ وفي ليلةٍ من ليالي المدينة، رأى أحد الصحابة رؤيا ستصبح كلماتها نداءً يتكرر في بلاد المسلمين إلى قيام الساعة.

تلك صفحة الليلة القادمة بإذن الله.

اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.