مَدارك — دليلك إلى طريق الإيمان
نَمْ على سيرة نبيّك الكريم ﷺ · الفصل الثاني

طفولته ﷺ بين رعاية الأم وكفالة العمّ

قراءة هادئة من السيرة النبوية

بعد سنوات الرضاعة الأولى، عاد محمد ﷺ إلى رعاية أمّه آمنة بنت وهب في مكة. كانت حياته لا تزال في بدايتها؛ طفلًا يكبر في أسرته، بعيدًا عمّا ستعرفه الدنيا يومًا من أمر رسالته. ولا تحفظ لنا المصادر وصفًا لكل يوم عاشه معها. لكننا نعرف أن مقامه عندها لم يطل، وأن طفولته ستشهد انتقالًا آخر لم يكن انتقالًا من بيت إلى بيت فحسب.

تذكر سيرة ابن إسحاق، كما رواها ابن هشام، أن آمنة خرجت بابنها إلى يثرب لزيارة بني عدي بن النجار. كان محمد ﷺ يومئذ في نحو السادسة من عمره. ثم اتجها عائدين إلى مكة. وبين المدينتين، في موضع يُسمّى الأبواء، توفيت آمنة. هكذا تحفظ لنا السيرة الخبر: زيارة، وطريق عودة، ووفاة غيّرت حياة الطفل. ولا تنقل لنا كلماتٍ قالها في تلك الساعة، ولا ما جرى في نفسه؛ لذلك نقف عند ما وصل إلينا، ونترك للموقف هيبته.

كان قد فقد أباه قبل أن يعرفه، ثم فقد أمّه وهو صغير. ومن يقرأ هذين الخبرين متتابعين قد يمرّ بهما سريعًا، لأنهما لا يستغرقان إلا سطرين. لكن الطفل لا يعيش الفقد في سطر. يتبدل من كان يعتمد عليه في شؤون يومه، ويحتاج إلى من يطمئنه ويقوم برعايته. لا نعرف كيف عبّر محمد ﷺ عن حزنه، ولا ينبغي أن ننسب إليه شعورًا مفصلًا لم تروه المصادر. يكفينا أن نفهم ثقل ما وقع، وأن نتذكر أنه كان في سن يحتاج فيها الطفل إلى أمّه حاجةً شديدة.

وعند هذا الموضع من السيرة، يشرق معنى آية ستنزل عليه بعد سنين، حين يقول الله تعالى لنبيّه ﷺ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾ [الضحى: ٦]. الآية لا تسرد تفاصيل الطريق إلى الأبواء، ولا تسمّي كل من قام برعايته. إنها تذكّره بنعمة الإيواء بعد اليتم. أما أسماء من كفلوه وترتيب هذه المرحلة، فنعرفها من أخبار السيرة، ولكل مصدر منزلته.

تولى جدّه عبد المطلب بن هاشم رعايته بعد وفاة آمنة. لم تنقطع صلته بأسرته حين فقد أمّه؛ فقد صار في كنف الجد، وهو أقرب الناس إليه من جهة أبيه في ذلك الوقت. وتذكر كتب السيرة إكرام عبد المطلب له وعنايته به. ولسنا بحاجة إلى مشهد طويل أو حديث منسوب إليهما حتى نرى أهمية هذه الكفالة: لقد وجد الطفل من يتحمل مسؤوليته، ويتابع أمره، ويمنحه مكانًا في الأسرة بعد ذلك الفقد.

في حياة الصغير ﷺ لم تكن الرعاية فكرة مجردة. كان لا بد لها من إنسان يقوم بها. فقد رحلت أمّه، وبقي جدّه حاضرًا. ومن وراء ذلك كله يقرأ المؤمن وعد الرعاية في قوله تعالى: ﴿فَآوَىٰ﴾. لا تعني الآية أن أيام طفولته خلت من الألم؛ فقد وقع اليتم حقًّا. لكنها تلفت النظر إلى أنه لم يُترك وحده. وقد نجتمع نحن، ونحن نقرأ السيرة، حول أسماء من كفلوه، ثم نغفل عن المعنى القريب منا: أن رعاية طفل فقد والديه عمل يظهر أثره في حياته يومًا بعد يوم.

ومضت مدة كفالة الجد قصيرة كذلك. يذكر ابن إسحاق أن عبد المطلب توفي حين بلغ محمد ﷺ ثماني سنوات. وهذه السن من أخبار السيرة، لا من حديث صحيح مرفوع إلى النبي ﷺ. كان ذلك فقدًا جديدًا في طفولته، بعد وفاة أمّه بنحو عامين وفق ما ترويه السيرة. وللمرة الثانية تغير الشخص الذي يتولى أمره؛ غير أن صلة الرحم بقيت حوله، وانتقلت كفالته إلى رجل آخر من أسرته.

ذلك الرجل هو عمّه أبو طالب، أخو أبيه عبد الله. وتذكر سيرة ابن هشام أن محمدًا ﷺ صار بعد وفاة عبد المطلب في كنف عمّه، وأن أبا طالب تولّى أمره. ومن الجميل أن نتوقف هنا عند بساطة الخبر وعمقه: لم يكن أمام الصغير أن يختار ما يقع له، لكن الكبار من أسرته تحملوا واجبهم نحوه. كانت كفالة أبي طالب بداية مرحلة أطول ستصحبه فيها رعايته وهو ينمو من طفل إلى فتى.

ولعل هذه المرحلة تعلّمنا طريقة هادئة لقراءة السيرة. فليس كل زمن من حياة النبي ﷺ محفوظًا بالتفصيل نفسه. نعرف مواضع مهمة: وفاة أمّه، ثم كفالة جدّه، ثم وفاة الجد، وانتقاله إلى عمّه. أما تفاصيل الأيام بين هذه الأحداث، فلا نملؤها بحوارات نتخيلها أو مشاهد نجزم بها. يبقى في الوقائع المشهورة في السيرة ما يكفي لأن نتأمل: طفل يتلقى الرعاية من أكثر من يد، وكل يد تؤدي دورها حين يأتي وقتها.

ولم يكن فقده المبكر مقدمة نكتبها لنقول إن الحزن سيبقى عنوان حياته. فقد كبر ﷺ، وعرفه الناس بعد ذلك بما أكرمه الله به من خُلق، ثم اختاره الله لرسالته. لكننا لم نصل إلى تلك السنوات بعد. في هذا الفصل نراه في موضعه من العمر: طفلًا فقد من أحبّ الناس إليه، ثم وجد من أهله من يقوم بشأنه. والفرق بين الأمرين مهم؛ فلا الرعاية تمحو وقوع الفقد، ولا الفقد يلغي نعمة الرعاية.

حين تُطفأ الأنوار آخر الليل ويهدأ البيت، قد يمر بخاطر القارئ طفل يعرفه: يتيم في أسرته، أو صغير يحتاج إلى من يصغي إليه ويطمئنه. تذكرنا طفولة النبي ﷺ بأن عناية الكبار بالأطفال ليست أمرًا هامشيًا في سيرهم. وقد لا تحفظ كتب التاريخ أسماء كل من أحسن إلى طفل، لكن أثر الإحسان يبقى فيمن تلقّاه. هذا تأمل نستفيده من السيرة، وليس خبرًا نضيفه إلى أحداثها.

وهنا نقف عند باب بيت أبي طالب. دخل محمد ﷺ مرحلة جديدة من طفولته، وستتسع أمامه الأيام شيئًا فشيئًا. كيف مضت نشأته في كنف عمّه؟ وماذا تخبرنا المصادر عن عمله حين كبر، وعن الخصال التي عرفها الناس فيه قبل النبوة؟ نترك ذلك للفصل القادم، ونختم ليلتنا بالصلاة والسلام عليه: اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد ﷺ.