قبل أن يُعرف محمد ﷺ نبيًّا، وقبل أن يسمع الناس منه آيةً واحدة، بدأت سيرته العطرة في مكة: مدينةٍ يقصد الناس بيتَ الله فيها، وتعرف فيها الأسر أنسابها، وتنتقل أخبارها بين البيوت والأسواق. لم يكن أحدٌ ممن شهدوا مولده يعرف ما ستصير إليه الأيام. ونحن، حين نقرأ سيرته اليوم، نعرف ما جاء بعدها؛ لكن جمال البداية أن نعود إليها كما كانت: طفلًا يحتاج إلى من يحمله ويرعاه، فيُهيّئ الله له المأوى.
هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، من بني هاشم من قريش. وقد ذكر النبي ﷺ نسبه إلى هذا البيت في حديث صحيح، فقال إن الله اصطفى قريشًا من كنانة، وبني هاشم من قريش، واصطفاه من بني هاشم. هذه منزلة أثبتها الحديث، لكننا لا نحتاج إلى أن نضيف إليها أخبارًا متخيلة عن يوم مولده حتى ندرك قدره؛ فالذي سيعرّف الناس برسالته فيما بعد هو ما أنزله الله عليه، وما عاشه بينهم من صدق ورحمة.
وتذكر كتب السيرة أن أباه عبد الله تُوفي قبل أن يولد، فنشأ ﷺ يتيم الأب. هذه الحقيقة التي تبدأ بها سيرته لا ينبغي أن تمر بنا كأنها مجرد تاريخ عائلي. فالطفل لا يعرف معنى «اليتيم» كما يشرحه الكبار، لكنه يعرف اليد التي ترعاه، والصوت الذي يألفه، والبيت الذي يأوي إليه. وحين نقرأ بعد سنوات طويلة خطاب الله لنبيه: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ﴾، نفهم أن الله ذكّره برعايةٍ صاحبته منذ بدايات حياته. الآية ثابتة في القرآن، أما تفاصيل وفاة والده وزمنها فتُذكر في كتب السيرة والتفسير.
وُلد ﷺ في مكة في عام الفيل، كما تذكر السيرة. وكان ذلك العام مرتبطًا في ذاكرة أهل مكة بحادثة أصحاب الفيل التي ذكرها القرآن في سورة كاملة. ومن السهل، ونحن نقرأ عن عامٍ اشتهر بحادثة عظيمة، أن ننجذب إلى القصص الكثيرة التي أُلصقت بمولد النبي ﷺ: أوصاف للسماء، وأخبار عن قصور بعيدة، وحوارات لم يثبت لنا وقوعها. لكن الوقوف عند ما نعلمه يكفي لبداية السيرة: طفلٌ وُلد في مكة، بعد أن فقد أباه، في عامٍ حفظ الناس اسمه.
أما اليوم من الأسبوع، فقد جاء فيه خبر أوضح من روايات السيرة. سُئل النبي ﷺ عن صيام يوم الاثنين، فذكر أنه اليوم الذي وُلد فيه، وأن الوحي أُنزل عليه فيه. والحديث في صحيح مسلم. لذلك نستطيع أن نقول مطمئنين إنه وُلد يوم الاثنين، من غير أن نجزم بتاريخٍ محدد من الشهر؛ فقد اختلفت فيه الروايات. وهكذا تعطينا الرواية الصحيحة معلومة صغيرة وثابتة، وتترك لنا السيرة إطار الزمان والمكان، دون أن نحمّل أحدهما ما لا يثبت به.
كانت أمّه آمنة بنت وهب من تولّت رعايته في بداية حياته. لا تخبرنا المصادر الثابتة كيف كانت أول نظرة منها إليه، ولا تنقل لنا حديثًا دار بينها وبين من حولها في تلك اللحظة. فلا حاجة بنا إلى اختراع مشهد كي نشعر بقرب السيرة. يكفي أن نتوقف قليلًا عند حقيقة بسيطة: هذا الطفل الذي سيحمل يومًا رسالةً إلى الناس، بدأ حياته محتاجًا إلى رعاية أمه، مثل كل طفل. وفي كنف آمنة بدأت أيامه الأولى، بينما ظل اسم أبيه جزءًا من اسمه ومن سيرته.
ثم جاءت مرحلة الرضاعة. تذكر كتب السيرة أن حليمة السعدية أرضعته، وأنه أقام معها في بني سعد. كان خروج الأطفال للرضاعة في البادية معروفًا في أخبار تلك البيئة؛ وبالنسبة إلى محمد ﷺ صار بيت حليمة موضعًا من مواضع طفولته المبكرة. وهنا أيضًا ينبغي أن نقرأ بتمييز: أصل رضاعته عند حليمة مشهور في السيرة، لكن تفاصيل البركات والحوارات الطويلة التي تُروى في قصتها ليست كلها في درجة واحدة من الثبوت. لهذا نكتفي بما يحتاجه هذا الفصل: انتقل الطفل من رعاية أمه إلى رعاية مرضعته، وظل محفوظًا في بيوتٍ جعل الله فيها من يعتني به.
تأمل هذا الانتقال بهدوء. قد نتوقع، حين نبدأ سيرة نبي، أن نجد الأحداث العظيمة تتتابع منذ السطر الأول. لكن السنوات الأولى تمضي في حاجات الإنسان الأولى: غذاء، ونوم، وأمان، وأشخاص يلتفتون إليه. لم يكن الناس آنذاك يعرفون ما ستؤول إليه حياته كما نعرف نحن اليوم. كان يكبر يومًا بعد يوم، بينما تحفظ لنا المصادر من تلك الفترة أخبارًا قليلة، وتترك مساحات واسعة لا نعرف تفاصيلها.
وفي هذه المساحات نتعلم أدبًا مهمًا في قراءة السيرة: أن الصمت عن المجهول أصدق من ملئه بالتخمين. نستطيع أن نتخيل اتساع الطريق بين مكة والبادية، لكن لا نستطيع أن نجزم بما رآه الطفل في يوم بعينه. ونستطيع أن نفهم معنى افتقاد الأب ورعاية الأم والمرضعة، لكن لا ننسب إليه شعورًا محددًا لم ينقله خبر ثابت. القرب من سيرة النبي ﷺ لا يحتاج إلى أن ننطق على لسانه بما لم يقله؛ بل يزداد القرب حين نصغي لما وصل إلينا بأمانة.
وإذا عدنا إلى آية الضحى، وجدنا كلمة تجمع هذه البداية كلها: ﴿فَآوَىٰ﴾. لم تذكر الآية أسماء من قاموا برعايته في هذه السنوات، لكنها ذكّرت بالنعمة التي تحققت له. وتشير كتب السيرة والتفسير إلى من تولّى كفالته في مراحل حياته الأولى. سنصل إلى تلك الأحداث في موضعها، حدثًا بعد حدث؛ فلا نسبق زمن السيرة. أما الليلة، فنقف عند معنى الإيواء نفسه: أن يجد الإنسان، وهو صغير لا يملك لنفسه شيئًا، من يفتح له بيتًا ويقوم بشأنه.
هذه بداية لا تدعونا إلى الحزن وحده، مع أن فيها فقدًا مبكرًا. إنها تدعونا أيضًا إلى رؤية الرحمة في الرعاية. لم يُلغِ اليُتمُ حاجة الطفل إلى الحب، ولم يتركه الله بلا مأوى. ولهذا حين نتذكر النبي ﷺ يتيمًا، يحسن أن نتذكر معه كل طفلٍ يحتاج اليوم إلى عناية صادقة؛ طفلًا قد لا يعرف كيف يطلبها، لكنه يشعر بها حين يجدها. ذلك معنى نستفيده من التأمل في سيرته، لا واقعة جديدة نضيفها إلى أخبار مولده.
هنا نطوي صفحة الميلاد والرضاعة الأولى، وتبقى السيرة ممتدة أمامنا. فما زالت السنوات المقبلة تحمل عودةً إلى مكة، وأيامًا مع أمه آمنة، ثم تغيراتٍ ستنقل رعايته من بيت إلى بيت. كيف عاش تلك المرحلة من طفولته؟ ومن كان إلى جواره حين تبدلت عليه الأيام؟ نترك السؤال للفصل التالي، ونختم هذه الليلة بالصلاة والسلام عليه: اللهم صلِّ وسلِّم على نبينا محمد ﷺ.