لم يخرج المسلمون من المدينة وهم يرون أمامهم معركةً كبرى ستُذكر إلى قيام الساعة. كانوا جماعة قليلة، لم تستكمل عدتها لحرب واسعة، وما زالت جراح الهجرة قريبة: أموال تركوها في مكة، وبيوت فارقوها، وأقارب بقي بعضهم في صف قريش.
لكن الطريق الذي بدأ بقصد عيرٍ تجارية سيضعهم أمام جيش خرج من مكة بقوته وسلاحه. وبين بداية الرحلة ونهايتها سيتعلم المؤمنون درسًا لا تنساه الأمة: قد يختار الإنسان الطريق الأسهل، ثم يختار الله له موقفًا أصعب يحمل في داخله خيرًا أعظم.
﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾ [الأنفال: 5].
قافلة قريش
كان أبو سفيان يقود عيرًا تجارية كبيرة لقريش عائدة من الشام إلى مكة. وكان للمهاجرين مع قريش تاريخ قريب من الظلم والاستيلاء على الأموال وإخراجهم من ديارهم. خرج رسول الله ﷺ مع أصحابه يريدون الوصول إلى القافلة، ولم يكن تصورهم الأول أنهم سيواجهون جيشًا كاملًا.
وتذكر الروايات الصحيحة أن النبي ﷺ أرسل من يستطلع أخبار العير، ثم خرج بأصحابه نحو بدر. لم يخرج معه جيش كثير العدد ولا وافر العتاد؛ بل كانوا بضعة عشر وثلاثمائة رجل، على اختلاف يسير في العدد الذي نقلته الروايات الصحيحة. أما جيش قريش فكان قريبًا من ألف رجل.
لم يكن تفاوت العدد هو الفرق الوحيد. فقد خرجت قريش مستعدةً للقتال، معها من الرجال والعتاد ما يناسب جيشًا يريد إظهار قوته، بينما لم يستعد المسلمون عند خروجهم لمواجهة بهذا الحجم.
كان الطريق في بدايته يبدو محدود الغاية، ثم وصلت الأخبار بأن القافلة أفلتت، وأن جيش قريش يقترب. هنا تغيّر الموقف: لم تعد المسألة قافلة يمكن الوصول إليها، بل قوة مسلحة تقف في الطريق.
إحدى الطائفتين
كشف القرآن ما كان في القلوب عند تلك اللحظة:
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ [الأنفال: 7].
كانت «غير ذات الشوكة» هي القافلة التي لا تحيط بها قوة الجيش، وكان الوصول إليها أقرب إلى ما توقعه المسلمون حين خرجوا. أما الطائفة الأخرى فكانت جيش قريش.
لم يذم القرآن الإنسان لمجرد أنه يميل إلى الطريق الأقل خطرًا؛ فهذا أمر تعرفه النفوس. لكنه كشف أن إرادة الله كانت تقود الأحداث إلى غاية أكبر من غنيمة قافلة: أن يظهر الحق، ويثبت المسلمون أنهم أصبحوا جماعة لا تستطيع قريش أن تستبيحها كلما شاءت.
ربما يرى الإنسان الخير في أمر قريب سهل، بينما يدخر الله له عبر الطريق الصعب فتحًا لا يراه بعد. ولم يكن على الصحابة أن يعرفوا كل ما سيقع؛ كان عليهم أن يختاروا الطاعة حين اتضحت لهم حقيقة الموقف.
رسول الله ﷺ يستشير أصحابه
حين أصبحت المواجهة محتملة، لم يمضِ رسول الله ﷺ بالناس من غير أن يسمعهم. جمع أصحابه واستشارهم.
تكلم أبو بكر رضي الله عنه، ثم تكلم عمر رضي الله عنه. وكان النبي ﷺ يريد أن يسمع موقف الجماعة، وخصوصًا بعدما أصبح الأمر مختلفًا عما خرجوا له.
عندئذ تكلم المقداد بن الأسود رضي الله عنه بكلمات حفظها صحيح البخاري. قال للنبي ﷺ إنهم لن يقولوا له كما قال قوم موسى لموسى عليه السلام: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، بل أعلن أنهم سيقاتلون معه عن يمينه وشماله وبين يديه وخلفه.
يقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، الذي شهد ذلك الموقف، إنه رأى وجه النبي ﷺ يشرق سرورًا بكلام المقداد.
لم يكن كلام المقداد حماسةً بعيدة عن الواقع. كان يعرف أن القوم أكثر عددًا وأقوى استعدادًا، ومع ذلك لم يجعل ميزان القوة المادية وحده هو الذي يحدد موقفه. لقد بايع رسول الله ﷺ وآمن بأن طاعته ليست مرتبطة بسهولة الطريق.
وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ ظل يستشير أصحابه، حتى تكلم سعد بن عبادة رضي الله عنه ممثلًا موقف الأنصار، وأظهر استعدادهم للمضي معه. ثم تحرك المسلمون حتى نزلوا بدرًا. أما الصيغ المطولة المنسوبة لبعض المتكلمين في هذا المجلس، فتُذكر في كتب السيرة بألفاظ متعددة؛ لذلك نثبت أصل المشاورة والموقف الذي ورد في الحديث الصحيح، ولا نجزم بكل عبارة زائدة.
أكثر من ثلاثمائة مؤمن
كان عدد المسلمين يوم بدر قليلًا بالقياس إلى خصومهم. روى البراء بن عازب رضي الله عنه أن أصحاب محمد ﷺ كانوا يتحدثون أن عدد أهل بدر كان قريبًا من عدد المؤمنين الذين عبروا النهر مع طالوت: بضعة عشر وثلاثمائة رجل.
وراء كل رجل منهم قصة. فيهم مهاجر ترك ماله وبيته، وأنصاري فتح المدينة لإخوانه، وشاب لم يملك إلا ما يحمله بيده. لم يكونوا نسخًا متشابهة، لكنهم اجتمعوا في ذلك الطريق على الإيمان برسول الله ﷺ والوفاء له.
ولم تكن قلة العدد أمرًا مخفيًا عنهم. كانوا يرون أنفسهم ويرون ما معهم، ثم يسمعون أخبار الجيش القادم. ولهذا لم يقل القرآن بعد النصر إنهم انتصروا بقوتهم وحدها، بل قال:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: 123].
والمقصود بضعفهم هنا قلة عددهم وعدتهم بالنسبة إلى عدوهم، لا ذلة الإيمان؛ فقد أعزهم الله بطاعته، ثم أظهر لهم أن النصر هبة منه تستوجب الشكر، لا بابًا للعجب بالنفس.
ليلة على مقربة من العدو
وصل المسلمون إلى بدر، وأصبح الجيشان قريبين من اللقاء. كانت النفوس تحتاج إلى سكينة، والأرض تحتاج إلى ما يثبت الأقدام. فذكر القرآن نعمةً أحاطت بالمؤمنين في تلك الليلة:
﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11].
أنزل الله عليهم النعاس أمانًا، والمطر طهارةً وتثبيتًا. كانت القلوب البشرية تعرف الخوف، لكن الله لم يتركها للخوف؛ أنزل عليها من السكينة ما يعينها على استقبال الصباح.
ليس الثبات أن يكون الإنسان بلا شعور، ولا أن ينكر الخطر القريب. الثبات أن يرى الخطر، ثم لا يسمح له بأن يقطع صلته بالله أو يرده عن واجبه.
درس الليلة
في الطريق إلى بدر لم يكن المسلمون يعرفون النتيجة التي نعرفها نحن اليوم. لم يروا بعدُ النصر، ولم تنتهِ المعركة، ولم تعد القافلة غنيمةً بين أيديهم. كانوا يقفون أمام امتحان لم يختاروا صورته كاملة.
ومع ذلك استشارهم رسول الله ﷺ، فتكلموا بالوفاء، ومضوا معه. يعلمنا هذا الطريق أن الشجاعة لا تعني غياب التردد الطبيعي، وإنما تعني ألا يقودنا التردد بعيدًا عن الحق. ويعلمنا أن القائد الصادق يسمع من معه، وأن المؤمن يبذل ما يستطيع ثم يترك النتيجة لله.
أقبل الليل على بدر، وهدأت الأصوات، وأصبح جيش قريش قريبًا. وبينما غلب النعاس بعض المؤمنين أمانًا من الله، بقي رسول الله ﷺ متوجهًا إلى ربه، يعرف أن الصباح سيحمل ساعةً فاصلة.
ماذا دعا النبي ﷺ حين رأى كثرة جيش قريش وقلة أصحابه؟ وكيف بدأ القتال؟ وكيف جاء النصر الذي سماه القرآن يوم الفرقان؟ نترك ذلك للفصل القادم بإذن الله.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد ﷺ.